البلاغة في التعبير "النار لا تلتهم إلا ما يسهل عليها"

 

البلاغة في التعبير "النار لا تلتهم إلا ما يسهل عليها"




كتب : دكتور احمد ابراهيم حنفي 


عضو اللجنة العليا للصحافة والإعلام جريدة ديلي جراف عربية مدير جريدة الوطن الاكبر بمحافظة الغربية ومدير جريدة حوادث الغربية 


يحمل في طياته حكمة عميقة عن طبيعة الصراعات، التحديات، وحتى العلاقات الإنسانية.


​قانون الهشاشة: لماذا لا تلتهم النار إلا ما يسهل عليها؟


​في الطبيعة، لا تختار النار حطبها عشوائيًا؛ إنها تتبع قانون "المقاومة الأقل". فهي تبتلع القش اليابس في ثوانٍ، بينما تتوقف عاجزة أمام الصخر الأصم أو الخشب الأخضر الذي يمتلك رطوبة الحياة. هذا المشهد الطبيعي ليس مجرد ظاهرة فيزيائية، بل هو مرآة تعكس واقعنا الإنساني والاجتماعي.


​1. الهشاشة الداخلية هي المدخل


​النار —سواء كانت نار الأزمات، الفتن، أو حتى التنمر والضغوط النفسية— لا تستطيع النفاذ إلى جوهر الإنسان إلا إذا وجدَت فيه ثغرة من الجفاف والهشاشة. عندما يترك الإنسان عقله لليأس، أو روحه للفراغ، فإنه يتحول إلى "مادة قابلة للاشتعال". الصعوبات لا تخلق الضعف، بل تكشفه؛ فهي تلتهم الأجزاء الرخوة في شخصياتنا التي لم نعتنِ بتقويتها.


​2. دروس من "الخشب الأخضر"


​لماذا يصمد البعض أمام أعاصير الحياة بينما ينهار آخرون عند أول شرارة؟ السر يكمن في "الرطوبة الداخلية". في عالم النفس، هذه الرطوبة هي المرونة والوعي. الإنسان الذي يمتلك جذوراً فكرية وقيمية عميقة يشبه الشجر الأخضر؛ قد تلفحه النار من الخارج، وقد تترك أثراً على قشرته، لكنها لا تستطيع أن تحيله إلى رماد لأن جوهره ممتلئ بالحياة والمقاومة.


​3. النار كأداة للقياس


​بدلاً من النظر إلى النار كعنصر تدميري فقط، يمكننا اعتبارها "مقياساً للجودة". في كيمياء المعادن، تُستخدم النار لتنقية الذهب من الشوائب. ما يتبقى بعد الحريق هو الحقيقة فقط.


​الأفكار الضعيفة تشتعل وتختفي أمام النقد.


​العلاقات الهشة تنهار عند أول سوء فهم.


​العزائم الواهنة تتبخر أمام أول عقبة.


​4. كيف تحمي نفسك من "الالتهام"؟


​أن لا تكون "سهلاً" على النار لا يعني أن تكون قاسياً أو عنيفاً، بل يعني أن تكون متماسكاً. التماسك يأتي من:


​العلم والمعرفة: الجهل هو أكثر المواد قابلة للاشتعال في العقل البشري.


​التصالح مع الذات: لكي لا تلتهمك نيران المقارنات أو أحكام الآخرين.


​الاستمرارية في النمو: النار تلتهم الأشياء "الميتة" أو المتوقفة عن النمو (اليابسة)، أما الكائن الحي النابض فهو في حالة تجدد دائمة تمنحه حصانة ذاتية.


​خلاصة القول:


النار لا تعتذر عما تفعله، فهذه طبيعتها. المسؤولية تقع على عاتقنا في أن لا نكون مجرد "حطب" ينتظر الشرارة. كن صخرًا في مبادئك، أو شجرًا أخضر في عطائك، وحينها ستمر النار من حولك وتنتظر حتى تخمد، دون أن تنال من جوهرك شيئاً

إرسال تعليق

0 تعليقات