قراءة في قصيدة نبض واحد للروائي محي الدين محمود حافظ بقلم هاله المغاورى النمسا 🇦🇹

 

قراءة في قصيدة نبض واحد للروائي محي الدين محمود حافظ بقلم  هاله المغاورى فيينا 🇦🇹



تنتمي قصيدة “نبض واحد” إلى تيار الشعر الوجداني المباشر، حيث يتكئ الشاعر على لغة بسيطة شفافة ليعبر عن حالة عاطفية متدفقة، قوامها العشق المفرط والرغبة في تجاوز حدود الجسد الواحد.

يُقيم الشاعر نصه على صورة مركزية واحدة: “النبض”.

فالنبض هنا ليس مجرد إشارة بيولوجية للحياة، بل يتحول إلى استعارة كثيفة للحب ذاته. حين يقول:

“نبض واحد مش كفاية

لعشقي ليك”

فهو يعلن منذ البداية أن الحب يفوق القدرة الجسدية على احتماله. نبض واحد – أي قلب واحد – لا يكفي لحمل هذا الكم من المشاعر. وهنا تتجلى مبالغة عاطفية مقصودة، تؤسس لحالة من الفيض الوجداني.

يعتمد النص على التكرار بوصفه أداة إيقاعية ودلالية، إذ تتكرر عبارة:

“نبض واحد مش كفاية”

في بداية القصيدة ونهايتها، مما يخلق بناءً دائريًا يعيد القارئ إلى نقطة الانطلاق، وكأن العشق حالة لا تنتهي بل تتجدد داخل نفس المعادلة الشعورية.

كذلك يتكرر لفظ “نبض” في سياقات متعددة:

• نبض يعشق

• نبض يلمس

• نبض يتأمل

وهنا يتحول النبض إلى كيان متعدد الوظائف، يكاد يكون كائنًا مستقلًا، يحمل الحواس والمشاعر معًا، في تماهٍ كامل بين الجسد والعاطفة.

لغة القصيدة عامية بسيطة، مباشرة، خالية من الزخرفة البلاغية المعقدة. هذه البساطة تمنح النص صدقًا وعفوية، لكنها في الوقت ذاته قد تحدّ من عمقه الدلالي، إذ يظل الخطاب في إطار التصريح أكثر من الإيحاء.

فالمشاعر تُقال ولا تُلمّح، والرغبة تُعلن دون ترميز كثيف. ومع ذلك، فإن هذه المباشرة تخدم طبيعة النص بوصفه اعترافًا عاطفيًا لا تأملاً فلسفيًا.

يتجلى عنصر الانتظار في قول الشاعر:

“إمتي ييجي لحظة

تمسح الف دمعه”

هنا يتحول الحب من حالة احتفاء إلى حالة شوق وألم، ويظهر البعد الدرامي في النص. فالدموع الكثيرة تقابلها لحظة واحدة مرتقبة، مما يعمق الإحساس بالمسافة بين الحلم والواقع.

يقول الشاعر: “انتي حلم

آه لو بس أطوله”

الحلم هنا ليس فقط تعبيرًا عن الرغبة، بل هو إقرار ضمني بعدم الامتلاك. فالحلم بطبيعته زائل أو بعيد المنال. ومن ثم فإن النص يتأرجح بين الفيض العاطفي والوعي الخفي باستحالة الاكتمال.

عنوان القصيدة “نبض واحد” يختزل الفكرة المحورية، لكنه يُعاد توظيفه داخل النص ليكشف تناقضًا داخليًا: النبض الواحد لا يكفي.

أما العبارة الختامية “هلاوس مدعى شعر” فتثير تأملًا نقديًا، وكأن الشاعر يسبق الناقد في التشكيك في نصه، أو يعلن تواضعًا فنيًا، أو ربما سخرية ذاتية من فائض العاطفة.

ختاماً القصيدة نص وجداني بسيط، قائم على صورة مركزية واضحة، وتكرار إيقاعي يخدم حالته الشعورية. قوته تكمن في صدقه العاطفي وانسيابه، بينما يظل طموحه الفني محدودًا من حيث التراكيب البلاغية والتكثيف الرمزي.

إنها قصيدة اعتراف أكثر منها قصيدة تركيب، وشهادة حب أكثر منها تجربة لغوية مغامِرة — لكنها، في بساطتها، تنجح في نقل إحساس العاشق الذي يرى أن قلبًا واحدًا لا يتسع لكل ما يشعر به.

إرسال تعليق

0 تعليقات