مصر: من ممر القناة إلى محور الطاقة العالمي
كتب دكتور احمد ابراهيم حنفي 🇪🇬
عضو جريدة ديلي جراف نيوز عربيه
مدير جريدة الوطن الاكبر بمحافظة الغربية ومدير جريدة حوادث الغربية
لطالما كان الموقع الجغرافي لمصر هو "قدرها السياسي"، ولكن في ظل التحولات المناخية والجيوسياسية الراهنة، قررت القاهرة ألا تكتفي بجغرافيا المكان، بل أن تستثمر في "جغرافيا الموارد". إن التوسع الهائل في مشروعات الطاقة المتجددة ليس مجرد استجابة لالتزامات بيئية دولية، بل هو مشروع سياسي بامتياز يهدف إلى تعزيز الاستقلال الإستراتيجي المصري.
1. الطاقة كأداة للسياسة الخارجية
لم تعد الدبلوماسية المصرية تعتمد فقط على الثقل التاريخي، بل باتت تستخدم "الربط الكهربائي" كأداة لتعميق النفوذ الإقليمي. من خلال مشاريع الربط مع اليونان وقبرص (شمالاً) والأردن والعراق (شرقاً) والسودان والسعودية، تتحول مصر إلى "مايسترو الطاقة" بين القارات الثلاث. هذا التحول يجعل من استقرار مصر مصلحة حيوية لأوروبا الباحثة عن بدائل للغاز الروسي، ولأفريقيا المتعطشة للتنمية.
2. معركة الهيدروجين الأخضر: النفط الجديد
تمثل منطقة قناة السويس اليوم "الساحة الكبرى" لصراع المستقبل. توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات لإنتاج الهيدروجين الأخضر ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو محاولة مصرية لحجز مقعد دائم في نادي الكبار الذي سيتحكم في وقود المستقبل. إن توطين هذه الصناعة يعني أن مصر لن تبيع الرياح والشمس فقط، بل ستبيع "تكنولوجيا الطاقة"، مما يمنحها يدًا عليا في المفاوضات الاقتصادية الدولية.
3. السيادة الطاقية والأمن القومي
تدرك الدولة المصرية أن الاعتماد على الوقود الأحفوري المتقلب الأسعار يمثل ثغرة في جدار الأمن القومي. لذا، فإن الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة إلى 42\% بحلول عام 2030 هو بمثابة "تحرير للقرار الوطني". فكل ميجاوات يُنتج من شمس "بنبان" أو رياح "رأس غارب" هو تقليل للارتباط بأسواق الطاقة العالمية المتقلبة وتخفيف للضغط على العملة الصعبة.
4. التحديات: ما وراء الأرقام
رغم الطموح، يواجه هذا المسار تحديات سياسية واقتصادية جسيمة:
تمويل التحول: في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، يظل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة هو التحدي الأكبر.
البيروقراطية والتشريعات: الحاجة إلى مرونة تشريعية تضاهي سرعة التحول العالمي في هذا القطاع.
العدالة الطاقية: ضمان أن ينعكس هذا النمو في الطاقة المتجددة على المواطن البسيط في شكل استقرار في الأسعار وتوفر للخدمات.
الخلاصة:
إن طموح مصر في الطاقة المتجددة هو "العبور الثاني" نحو المستقبل. هي محاولة جريئة لتحويل "شمس الصحراء" و"رياح الشواطئ" إلى أوراق ضغط سياسية وعملات صعبة في خزائن الدولة. إذا نجحت مصر في استكمال هذا المسار، فإنها لن تكتفي بكونها قوة إقليمية، بل ستصبح شريكاً لا غنى عنه في صياغة "النظام العالمي الأخضر" الجديد.

0 تعليقات