الأديب السيد فريج يكتب صلاة الله وملائكته

 

صلاة الله وملائكته على الناس والنبي




وحركة دوائر النور


بين تمتمة اللسان


ودلالات القرآن...


"قراءة مغايرة"


يقول تعالى:


﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾


إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 


في إطار القراءة الداخلية للنص القرآني، يمكن تصور “دائرة الصلاة” بوصفها حركة دلالية واحدة تتبدّى في ثلاثة مواضع، لا باعتبارها انفصالًا في المعنى، بل باعتبارها اختلافًا في موقع الفعل داخل البنية الواحدة.


النص الأول يقول:


{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}


هنا تتجلّى الدائرة الأولى: دائرة الإخراج إلى النور.


الصلاة هنا فعلٌ إلهي مباشر موجَّه إلى الإنسان، غايته تحويل الحالة الوجودية من الظلمة إلى النور. فهي ليست دعاءً ولا تحية، بل فعلٌ تحويلي يحدث انتقالًا في وضع الإنسان نفسه. وهذه هي نقطة البدء: الإنسان في حالة قابلة للتحول، والصلاة هي فعل هذا التحول.


وهنا تعطي الدلالة على القيم الفطرية السابقة على وجود الرسالات، والمستمدة مباشرة من صلاة الله سبحانه وملائكته على الذين آمنوا، وهم آمنون في ذواتهم باعثون للأمن حولهم، مجموعة الأنوار الإلهية بعد الصلاة عليهم من رب العزة وملائكته الكرام:


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (*) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (*) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} الأحزاب.


ثم ينتقل النص إلى مستوى آخر:


{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}


هنا تتشكل الدائرة الثانية: دائرة تثبيت النور في موضعه البشري الحي.


فالنبي ليس هنا موضوعَ إخراجٍ من الظلمة، بل هو موضع تمركز للنور. لذلك لا يظهر الفعل هنا كتحويل من حال إلى حال، بل كفعل تثبيت وتعزيز لمركز النور في إنسان حاضر بين الناس. فالصلاة هنا ليست نقلًا من الظلمة إلى النور، بل صيانة لموضع النور واستمراريته في النموذج الإنساني الحي.


ثم يأتي الأمر:


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}


وهنا تتكون الدائرة الثالثة: دائرة الالتحاق والتفاعل البشري مع مركز النور؛ الهداية في صورة بشرية. إنه قمة التكريم والدعم الإلهي لبشر، فيجعله رب العزة نورًا في ذاته، فمن اتصل به اهتدى.


فالمؤمنون يُدعَون إلى الدخول في نفس المسار، لا كمجرد متفرجين، بل كفاعلين. والصلاة هنا هي توجه نحو النبي باعتباره مركز النور الحي والهداية الذاتية، والنموذج المثالي (The Ideal Type)، فمن اتصل به، وتمثّل بأخلاقه، وتأسّى بتصرفاته ومعاملاته، كان في طريق النور.


وتأملوا المرحلة الأخيرة في رحلة الأنوار الإلهية الممتدة بغير انتهاء، حتى بعد انتقال نبي الله إلى الرفيق الأعلى، وبعد أن قام المصلون على النبي بانتهاج طريق النور.


كان الأمر الإلهي لهم، والحكمة العليا، بعدم توقف طريق النور:


{وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}


فالتسليم هو الأمر بتسليم مفاتيح النور والهداية من جيل إلى جيل؛ تسليمًا وتسلُّمًا بالاقتداء والاهتداء.


ومن أبرز دوائر النور الصلاةُ الشعائرية التي انتقلت عمليًّا عن رسول الله من جيل إلى جيل، ولن تتوقف ما شاء الله للكون والوجود. ومن دوائر النور المحمدي: الحكمة، وحسن الخلق، وطيبة القلب، ورقة المشاعر، والرحمة، والحياء... إلخ.


ومن لم يفعل هذا النور المحمدي، ويسلّمه للآخرين في حركة مكوكية متصلة، فما صلى على النبي ولا سلّم، وإن رددها بلسانه ألف مرة.


وبذلك تتكامل الدوائر الثلاث داخل بنية واحدة:


الدائرة الأولى: انتقال الإنسان من الظلمات إلى النور بفعل إلهي مباشر.


الدائرة الثانية: تثبيت النور في نموذج بشري حي يُجسّد هذا المسار.


الدائرة الثالثة: إدخال المؤمنين في هذا المسار بوصفه علاقة فعلية مستمرة مع ذلك النموذج.


وفي هذا البناء، لا تتعدد “الصلاة” كمعانٍ منفصلة، بل تتبدّى كفعل واحد يتغير موقعه داخل المنظومة؛ فهو يبدأ كتحويل، ثم يتحول إلى تثبيت، ثم ينتهي إلى مشاركة واعية في المسار نفسه.


وهكذا تتشكل دائرة الصلاة بوصفها حركة واحدة ممتدة: من الإخراج، إلى التمركز، إلى الالتحاق، والتسليم، والانتقال عبر الأجيال.


ويبقى أن نشير إلى دقة اللفظ القرآني، التي يغفل عنها الكثيرون: لماذا لم تكن الصلاة على “الرسول”، وأتت بمقام “النبوة”؟


والإجابة: حتى لا يكون النور هنا جزءًا من نور الرسالة، وهي نورٌ بما حوته في ذاتها، وإنما أوجد الإله نورًا آخر مصدره الله وملائكته مباشرة على الناس، وتمركز وتموضع بفعله سبحانه وملائكته الكرام في شخص النبي محمد البشر، ثم جاء الأمر لجماعة المؤمنين الآمنين بالصلاة عليه للاستنارة بنوره، ثم تسليم هذا النور إلى حلقات الأنوار المحمدية في نفوس البشرية إلى قيام الساعة: قيمًا عليا، وحسن معاملة، ورحمة، وهداية.


فهل وعينا مفهوم الآية الكريمة، وكيف نصلي على النبي؟


أم ألفنا تحويل النور الإلهي إلى مجرد تمتمة بطرف اللسان؟..


﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾الصف: 8


صدق الله العظيم..


السيد فريج


المرجعية الفكرية:


Dr. Wael Kraiem Economist

إرسال تعليق

0 تعليقات