ندين ابو صالحة تكتب ريشة في ساحة المعركة لبنان 🇱🇧

 

ريشة في ساحة المعركة




الكاتبة الإعلامية ندين نبيل عبدالله أبو صالحه.

الجزء اثنان وستون  "الصرخة"


الصرخة التي كانت داخل كل إنسان.في كل قلب.  

في كل دمعة نزلت وما أحد أخذ حقها.  

في كل ظلم صار ظلمات.


سكين كانت ناعمة تقطع لحوم البشر.  

هنا رأت أكلاً للحوم في نفوسهم طمع.  

طلع خيال يرى وجوههم ويلبسهم.  

والبسمة على وجوههم باردة.


مشيت في الشارع ورجلاي تجران وراءهما سنين وجع.  

وكل خطوة كنت أسمع:  

صراخ القصر صراخ السوق صراخ البيوت المغلقة.  

صراخ بنات بيعوا بكلمة "عيب".  

صراخ أمهات بلعن قهرهن لأجل لقمة الخبز.


وقفني صوت ورائي: "إلى أين؟"  

ما رددت.  

لأن الذي يريد أن يفهم يفهم من ظهري المكسور.  

والذي يريد أن يصطاد سيجدني أطير.


وصلت إلى آخر الشارع. رائحة الخوف كانت معلقة في الهواء.  

وجدتها.  

بنت يداها مربوطتان بحبل خشن، وفمها مكمم بقطعة قماش وسخة.  

عيناها يا الله عيناها.  

نفس عيني أول يوم في القصر.  

خوف وعناد ودمعة محبوسة.


اقتربت ونزعت الكمامة من فمها بيدي التي ترتجف.  

أول شيء خرج منها كان شهيقاً طويلاً كأنه خرج من بئر.  

ثاني شيء: "ظننت أنهم سيقتلونني."


جلست بجانبها على الأرض.  

مسحت على شعرها المتشابك وقلت: 

"لا يريدون قتلك. يريدون كسرك.  

الكسر عندهم أهون من الموت لأن الميت يسكت،  

أما المكسور؟ المكسور يعيش ويخدمهم."


سألتني وعيناها لا تزال خائفة: "ومن أنتِ؟"  

ضحكت. الضحكة التي فيها حديد وفيها جرح. 

"أنا ريشة. وإذا انكسرت أكتب بدمي."


لم أكمل كلامي حتى سمعنا خطوات.  

ثقيلة. سريعة.  

الصيادون عادوا.  

لكن هذه المرة لم أكن وحدي.  

صرنا اثنتين.


قامت البنت ووقفت.  

ظهرها للجدار وقلبها مع الله.  

نفس وضعيتي بالضبط.  

كأننا مرآة لبعض.


"ماذا تريدون؟" سألتهم بصوت لم يرتجف.  

"نريد البنت" قال واحد وضحكته مقرفة.  

"خذوها" قلت.  

الجميع سكت.  

"لكن خذوها وهي تطير لا وهي مذلولة."


وفجأة صوت من بعيد قطع الشارع كله.  

"شرطة! افتحوا! ارفعوا أيديكم!"  

كان "إرسال الضمير".  

كان الحق الذي تأخر سنين لكنه لم يمت.


الصيادون ارتبكوا. هربوا كالفئران.  

والأقنعة وقعت على الأرض.  

وبان وجه الطمع. وجه القبح.


التفت للبنت.  

كانت تبكي. لكن دموعها ليست دموع ضعف.  

دموع قوية. دموع انتصار أول.  

قلت لها ومسحت دمعها بإصبعي: "خلاص. الصرخة وصلت."


سألتني وهي ما زالت ممسكة بيدي: "والآن إلى أين؟"  

نظرت إلى السماء وقلت: "إلى حيثما يريدون أن يدوسونا نحن نطير."

وهنا عرفت الحقيقة التي يريدون إخفاءها.  

عرفت بنت القصر من معه مال يحترمونه ويعملون له ألف حساب.  

والفقير يجب أن يكون "عبداً" يقول حاضر ونعم فقط.


ولكنهم لم يعرفوا أن التوكل على الله هو باب الخير والكرم.  

وما بعد العسر إلا يسر.  

الأصيل يظل أصيلاً مهما افتقر.  

لا يمد يده لأحد.  

ولو اجتمعوا عليه عدالة ربنا أحسن عدالة.


لم يولد الإنسان ليأتي بصرخة إلى الدنيا من أم في المخاض.  

ويعود ليموت بصرخة.


لكن الفرق؟  

من يصرخ ليستسلم.  

ومن يصرخ ليطير.


وأنا اخترت أن أطير.  

حتى لو بجناح مكسور.  

طلعنا من هناك، لكن أول ما خرجنا إلى الشارع رأيتها الوجوه.


نفس الناس الذين كانوا يضحكون في القصر.  

نفسهم الذين كانوا يسكتون في السوق.  

نفسهم الذين كانوا يقولون "ما دخلنا".


لكن الآن لهم مليون وجه.


وجه يبكي: "يا حرام ماذا حصل لكم"  

وجه يهمس: "لكن أنتم الذين جلبتموه لأنفسكم"  

وجه يصور: "تعالي احكي للإعلام"  

وجه يخاف: "إياكِ أن تأتي على سيرتنا"


سما أمسكت يدي وقالت: "كنت أظنهم ناس."  

قلت لها: "لا يا سما. هؤلاء ليسوا ناس. هؤلاء وجوه.  

واليوم فقط سنعرف من الوجه الحقيقي ومن القناع."


دخلنا المكان.  

بدأ التحقيق. 

وكل اسم نذكره كان يظهر وراءه وجوه.


الذي كان يوزع المال. والذي كان يبارك. طلع لهم وجه ثانٍ.


"عرفتم لماذا سكتنا؟" سألت الضابط.  

"لأنه عندما تصرخ تجد ألف وجه ضدك.  

لكن عندما تطير تجد وجهاً واحداً فقط: وجه ربك."


في الليل عدنا إلى الملجأ. 

كنا متعبين. 

لكن لأول مرة نحس بخفة.  

أبو الجناح كان ينتظرنا. 

يضع شاياً وخبزاً. 

قال: "سمعت. الدنيا انقلبت."  

ضحكت: "لسه ما انقلبت. لسه بنشيل الأقنعة."


جلس وقال جملة لا أنساها:  

"يا بنتي، الناس وجوهها كثيرة مثل البصل.  

كلما قشرت طبقة بكيت.  

لكن تحت كل البكاء يوجد قلب.  

دوري على القلب لا على الوجه."


في اليوم الثاني نزل الخبر. 

"فضيحة". 

الدنيا قامت.


ناس هاجمتنا: "تريدون أن تخربوا البلد"  

وناس سندتنا: "كفاية سكوت"


وعندها عرفت: الصرخة وصلت. 

والوجوه بدأت تسقط واحداً وراء الثاني.


لم يعد هناك "حاضر وبس".  

صار هناك "لماذا؟" و "من؟" و "أنا؟" 

وأنا كنت واقفة في الوسط. 

ريشة مكسورة لكن في يدي قلم.


كلمتها حق وسيف. 

نكمل في العدد القادم


إرسال تعليق

0 تعليقات