أوسلو بين نقد الماضي وواقعية الحاضر
كاتب روائي وصحفى جهاد ابو زبيدة فلسطين 🇵🇸
اكرم عطالله وجهاد ابو زبيدة وقراءة في اعادة حماس الاعتبار للمشروع السياسي الفلسطيني
مقال اليوم بجريدة الايام ذكراه
حماس تعيد الاعتبار لاوسلو
أكرم عطا الله في هذا المقال لا يقول إن اوسلو كان اتفاقا مثاليا ولا يتجاهل اخفاقاته وثغراته. الفكرة التي يبني عليها مقاله مختلفة وهي أن اوسلو كان نتاج ظروف سياسية وتاريخية محددة وأن ما بقي من هذا المسار اليوم هو المؤسسة الفلسطينية والاعتراف بالقضية وامكانية العمل السياسي والدولي. ومن هنا تأتي عبارة "حماس تعيد الاعتبار لاوسلو" باعتبارها مفارقة تاريخية وليست مديحا للاتفاق.
يمكن صياغة التحليل على هذا الأساس:
قراءة في مقال أكرم عطا الله: حين يصبح الممكن السياسي هو الخيار المتاح
عندما نقرأ مقال أكرم عطا الله حول اوسلو وحماس ينبغي ألا نقرأه باعتباره دفاعا عاطفيا عن اتفاق اوسلو ولا باعتباره محاولة لتجميل تجربة سياسية يعرف الكاتب جيدا حجم ما فيها من نواقص وثغرات واخفاقات. فالرجل يتعامل مع اوسلو من زاوية سياسية واقعية تقوم على سؤال مختلف تماما وهو ماذا بقي للفلسطينيين من الخيارات بعد عقود طويلة من الصراع وما الذي يمكن البناء عليه في ظل موازين القوى القائمة.
أكرم عطا الله ليس كاتبا يكتب عن اوسلو من خارج التجربة أو من خلال قراءة سطحية لبنود الاتفاق. وهو كاتب ومحلل سياسي صقل تجربته من خلال سنوات الاعتقال والسجن والاحتكاك المباشر بالقضية الفلسطينية وتعقيداتها. ولذلك فإن مقاربته لاوسلو في هذا المقال تقوم على قراءة سياسية للظروف التي انتجت الاتفاق وللنتائج التي ترتبت عليه وليس على حكم عاطفي مسبق لصالحه أو ضده.
ومن المهم هنا فهم الفكرة التي يريد الكاتب الوصول إليها. فهو لا يقول إن اوسلو كان خاليا من الاخطاء ولا يقول إن اسرائيل التزمت بكل ما جاء فيه. بل على العكس فإن المقال نفسه يحمّل اليمين الاسرائيلي وعلى رأسه بنيامين نتنياهو مسؤولية كبيرة عن تدمير المسار الذي نشأ بعد الاتفاق. وبالتالي فإن الكاتب يميز بين اوسلو كاتفاق له نواقصه وبين اوسلو كمسار سياسي فتح للفلسطينيين مجالا لبناء مؤسسات ووجود سياسي داخل الارض الفلسطينية.
وهذه نقطة جوهرية في فهم المقال.
عندما يقول عطا الله إن حماس اعادت الاعتبار لاوسلو فهو لا يقصد أن حماس اصبحت مؤيدة للاتفاق ولا يقصد أن الاتفاق تحول فجأة إلى اتفاق ناجح. المقصود أن تجربة حماس والنتائج التي ترتبت على السابع من أكتوبر والحرب على غزة جعلت الفلسطينيين يعيدون النظر في الخيارات التي كانت مطروحة أمامهم قبل سنوات.
فالكاتب يضع المسارين أمام اختبار الواقع. مسار سياسي تفاوضي نشأ عنه وجود السلطة والمؤسسات الفلسطينية ودخول القضية الفلسطينية إلى مساحة واسعة من النظام الدولي. ومسار مقاوم رفض اوسلو واعتبر أن الطريق الصحيح هو استمرار المواجهة المسلحة حتى تحقيق التحرير.
ومن وجهة نظر عطا الله فإن تجربة السنوات الأخيرة تجعل السؤال أكثر إلحاحا: إذا كان المسار المقاوم لم يؤد إلى التحرير وانتهى إلى هذه الكارثة الانسانية والسياسية في غزة فهل يمكن الاستمرار في رفض كل ما نشأ عن اوسلو باعتباره خيانة أو وهما سياسيا؟
هنا لا يدافع الكاتب عن الاتفاق بقدر ما يدافع عن ما يمكن إنقاذه من تجربته.
ولذلك تأتي عبارته الواضحة في المقال حين يسأل: هل تبقى من اوسلو اشياء يمكن الحفاظ عليها؟ ثم يجيب بأن السلطة والمؤسسة الفلسطينية تمثلان انجازا تاريخيا. وهذا هو جوهر فكرته. فهو لا يقول إن كل ما جاء في اوسلو صالح وإنما يرى أن وجود مؤسسة فلسطينية داخل الارض يمثل قاعدة يمكن البناء عليها بدلا من البدء من الصفر.
وهذا أيضا يفسر حديثه عن ياسر عرفات. فالكاتب يرى أن عرفات لم يدخل اوسلو لأنه كان يعتقد أن الاتفاق سيحقق كل الاحلام الفلسطينية دفعة واحدة. وإنما دخل في العملية السياسية لأنه قرأ الظروف الدولية والاقليمية وادرك أن الفرصة المتاحة في ذلك الوقت قد لا تتكرر.
كانت الانتفاضة الاولى قد وصلت إلى حالة من الانهاك وكان الاتحاد السوفياتي قد انهار وانتهت الحرب الباردة وتغيرت البيئة العربية بعد حرب الخليج وكانت منظمة التحرير تعاني من ضعف سياسي ومالي ودولي. وفي هذه الظروف رأى عرفات أن الحصول على موطئ قدم فلسطيني داخل الارض أفضل من البقاء خارجها في انتظار انتصار عسكري لم يكن متاحا.
وهنا تكمن الواقعية السياسية التي يريد عطا الله إبرازها.
فالسياسة عنده ليست تحقيق كل الاحلام دفعة واحدة وإنما انتزاع الممكن ثم البناء عليه. وهذا لا يعني التخلي عن الحقوق وإنما يعني عدم التعامل مع موازين القوى وكأنها غير موجودة.
ومن هذه الزاوية أيضا يمكن فهم موقفه من المقاومة. الكاتب لا ينكر دور السلاح في التاريخ الفلسطيني لكنه يرى أن وظيفة السلاح في الظروف التي كانت قائمة هي إبقاء القضية حية وخلق ظروف تسمح بالانتقال إلى المسار السياسي. أما الاعتقاد بإمكانية هزيمة إسرائيل عسكريا بضربة واحدة فهو في نظره قراءة غير واقعية لموازين القوى.
ولهذا فإن نقده لحماس ليس لأنها قاومت الاحتلال من حيث المبدأ وإنما لأنه يرى أن تحويل المقاومة المسلحة إلى برنامج سياسي كامل دون حساب النتائج والموازين أدى إلى كارثة كان الشعب الفلسطيني هو الذي دفع ثمنها.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة جدا في المقال. عطا الله لا يعفي إسرائيل من المسؤولية عن الكارثة. فهو يذكر صراحة أن الدمار صنعه الاحتلال الاسرائيلي لكنه يرى في الوقت نفسه أن السابع من أكتوبر وفر لإسرائيل المبرر الذي استخدمته لتوسيع الحرب والذهاب بعيدا في تدمير غزة.
هذه رؤية سياسية قابلة للنقاش لكنها واضحة في المقال: القيادة السياسية لا تقاس فقط بنواياها وإنما بقدرتها على تقدير النتائج المحتملة لقراراتها.
ومن هنا يأتي اعتراض الكاتب على استمرار الخطاب التقليدي الذي يرفض اوسلو من دون مراجعة. فهو يرى أن الواقع تغير وأن التجربة يجب أن تفرض على الجميع اعادة التفكير.
لكن هذا المبدأ لا ينبغي أن يطبق على حماس وحدها. فإذا كانت حماس مطالبة بمراجعة خيار المقاومة فإن الذين دافعوا عن اوسلو مطالبون أيضا بمراجعة تجربتهم. لماذا لم تتحول السلطة إلى دولة؟ ولماذا استمر الاستيطان؟ ولماذا فشل المسار السياسي في الوصول إلى حل نهائي؟ ولماذا نجح اليمين الاسرائيلي في تعطيل الاتفاق وتفريغه من مضمونه؟
وهنا بالضبط تظهر قيمة مقال عطا الله. فهو لا يقول إن اوسلو انتصر. بل يقول إن البديل الذي قدم نفسه باعتباره قادرا على تجاوز اوسلو واجه هو الآخر اختبارا تاريخيا قاسيا.
وبالتالي فإن عبارة "حماس تعيد الاعتبار لاوسلو" هي مفارقة تاريخية أراد الكاتب من خلالها القول إن حركة حماس التي جعلت من رفض اوسلو جزءا أساسيا من مشروعها وجدت نفسها بعد السابع من أكتوبر أمام واقع جعل قطاعات من الفلسطينيين تعيد التفكير في قيمة المسار السياسي والمؤسسة الفلسطينية والاعتراف الدولي.
والكاتب هنا لا يطلب العودة إلى اوسلو بنسخته القديمة. وهذه نقطة يجب عدم إغفالها. فالعودة إلى اوسلو كما كان قبل ثلاثة عقود ليست هي القضية. القضية هي الحفاظ على ما نتج عنه من مؤسسات ووجود سياسي واعتراف دولي بالقضية الفلسطينية ثم البحث عن صيغة جديدة أكثر قدرة على حماية هذه المكتسبات وتحقيق ما عجز الاتفاق عن تحقيقه.
لذلك يمكن القول إن أكرم عطا الله لا يكتب في مقاله مديحا لاوسلو وإنما دفاعا عن الواقعية السياسية.
هو يقول بصورة غير مباشرة إن الفلسطينيين لا يملكون رفاهية البدء من جديد كل مرة. هناك مؤسسات فلسطينية وهناك اعتراف دولي وهناك منظمة تحرير وهناك سلطة وهناك تجربة تفاوضية طويلة وهناك دروس قاسية من المقاومة المسلحة. وكل هذه العناصر يجب أن تدخل في عملية مراجعة وطنية شاملة.
ومن هنا تصبح الرسالة الأعمق للمقال أن المطلوب ليس الاختيار بين فتح وحماس ولا بين اوسلو والمقاومة بصورة ثنائية مغلقة وإنما السؤال عن أي استراتيجية تستطيع إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني الفلسطيني.
وفي هذا السياق تصبح عبارة الكاتب الأخيرة "التاريخ ماكر" شديدة الدلالة. فالحركة التي قضت عقودا في مهاجمة اوسلو قد تكون نتائج تجربتها نفسها قد دفعت الفلسطينيين إلى إعادة النظر في بعض ما رفضته. وفي الوقت نفسه فإن تجربة اوسلو ذاتها تقول إن المؤسسة الفلسطينية وحدها لا تكفي وإن المسار السياسي يحتاج إلى قوة وطنية موحدة وإلى استراتيجية قادرة على مواجهة الاحتلال واليمين الاسرائيلي.
وهكذا فإن القراءة الأدق لمقال أكرم عطا الله هي أنه لا يقول إن اوسلو كان صحيحا بكل تفاصيله وإنما يقول إن اوسلو كان خيارا سياسيا ولد من ظروف تاريخية محددة وأن ما تحقق من خلاله لا يجوز هدمه لمجرد أن الاتفاق نفسه تعثر وفشل في تحقيق الدولة الفلسطينية.
وبالتالي فإن "إعادة الاعتبار لاوسلو" في مقال عطا الله تعني إعادة الاعتبار لفكرة الواقعية السياسية والمؤسسة الفلسطينية والعمل السياسي الدولي بعد أن أثبتت التجربة أن الشعارات وحدها لا تبني دولة وأن القوة وحدها لا تنهي الاحتلال.
وهذه في رأيي هي الزاوية التي ينبغي أن يقرأ منها المقال بعيدا عن اختزاله في أنه مجرد دفاع عن اوسلو أو هجوم على حماس. فهو في جوهره دعوة إلى مراجعة فلسطينية شاملة للخيارات التي جربها الفلسطينيون خلال العقود الماضية والبحث عن طريق ينقذ المشروع الوطني بدلا من استمرار الصراع على من يمتلك وحده الطريق الصحيح.




0 تعليقات