قراءة في رواية الكافر للكاتب المميز محي الدين محمود حافظ
بقلمي مرفت صابر
تحياتي لحضرتك أستاذنا الكبير لأنك وضعت أمامنا خيطاً جديداً من خيوط الفيلسوف المتمرد المحقق، المعذب وسخريته المستمرة بلغة العارف المضلل في متاهة التيه الأبدي فقد جعلتني أقف أمام قلم لا يكتفي بسرد تاريخي وديني بل يفككه ويصوغه من جديد من منظور الطاووس العابد أو بافوميت
و نكتفي بهذا القدر ونعود لمتاهة اليوم وهي ما بدأها الكاتب بجملة مقتبسة من سفر صموئيل الثاني والتي يوجهها شيمي بن جيرا للنبي والملك داوود وهو في لحظة ضعفه وانكساره هذه الجملة ليست مجرد شتيمة سياسية بل هي مقولة بشرية وإنسانية تذكرنا بأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه من خلال دفع الإنسان ثمن أفعاله إنها تضعنا أمام مرآة النفس لنرى كيف أن العنف والدم لا يغرسان استقراراً بل يحفران حفرة شركاً يسقط فيها صانعها حين تتبدل أحوال الزمان
«اخرج يا رجل الدماء... ها أنت واقع بشرك لأنك رجل دماء» (2صم 16: 7-8)
ثم يبدأ الطاووس العابد استعراضه واعتراضه وهو اختيار فني شديد الخطورة والجاذبية في آن واحد
هذا الصوت لا يسرد الأحداث بحياد بل يتدخل بالتعليق والسخرية والتلاعب النفسي بالقارئ حيث يحادثنا عن سيدنا داوود هو نفسه داوود الذي ألان الله له الحديد والذي غنى مزامير التسبيح وهو نفسه رجل الدماء في عيون خصومه هذه الثنائية تعكس تعقيد النفس البشرية فهي قادرة على أن تحمل أسمى معاني الإيمان والجمال وفي الوقت ذاته تظل متورطة في وحل الصراعات و الدموية الدنيوية
وهنا يبدأ الراوي الحكاية من رحلة بني إسرائيل و التابوت ثم ينتقل ببراعة إلى قصة داوود وجالوت ثم يقفز فجأة إلى زمن آخر ومكان مختلف اليمن وعاد وإرم لينتهي المعمار السردي عند سليمان الحكيم ويتعمد الكاتب ترك فجوات واستفزازات مقصودة للقارئ مثل طرح أسئلة حول دانيال شمشون طلسم مانيتون والملك الذي أحرق المؤمنين ليدفع المتلقي إلى التفكير الاستقصائي وجمع قطع الأحجية معاً مؤكداً أن التاريخ البشري مترابط وغايته الكبرى هي الانتقال من الشك إلى اليقين
ثم يضع لنا وجهين للتصارع اليقين العفوي مقابل الغرور البشري نرى ذلك جلياً في المقارنة بين إيمان الراعي البسيط داوود بنبلته الصغيرة الذي انتصر على جالوت بفضل الله وبين غرور شداد بن عاد الذي أراد تحدي الخالق ببناء إرم ذات العماد وأبي الهول ومنافسة الألوهية ثم يناقش النص كيف يمكن للسلطة والجاه أن تكونا اختباراً حقيقياً للإنسان فبينما كان سليمان الحكيم وداوود رموزاً للحكمة والعدل يحاول الراوي إبليس
إثارة الشكوك حول نهاياتهم وامتحاناتهم الكبرى مثل قصة سليمان والنساء والصافنات في محاولة لتصوير هشاشة النفس البشرية أمام الإغواء
شداد بن عاد و إرم ذات العماد نموذج الطغيان المطلق والبناء المادي البحت. شداد بن عاد بنى جنته الأرضية من الذهب والفضة والياقوت ليعلن نفسه إلهاً مستقلاً عن السماء فكان مصيره الخسف والعاصفة نهاية مدمرة لمشروع باطل
سليمان الحكيم نموذج الملكوت المسخر بأمر الله
سليمان أُوتي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وسخرت له الريح والجن والمردة لكن الفارق الجوهري أنه كان عبداً شاكراً يدرك أن الملك لله وحده رغم محاولات إبليس لاختراقه ووضعه في دائرة الغواية
ليضع القارئ أمام تساؤل مقارن حول حدود السلطة والمال والفتنة
ختاماً
أستاذنا الكبير محي الدين محمود حافظ من أروع ما قرأت لقد نجحت في مجابهة الأدب العالمي في رواية بأسلوب جديد دمجت فيه من كتاب العهد القديم وآيات الذكر الحكيم وأشياء أخرى بحرفية جعلت القارئ يعتقد أنها ليست من خارج النص جعلت كلمة المتاهة عمود الرواية تسير في خط مستقيم في كل الحكاية تتشكل في قلب السرد وبالمقابل وضعت السر في أول سطر في الحكاية
تحياتي

0 تعليقات