المقال (١٤) من سلسلة نهضة الأمة
قلةٌ صالحة تصنع تاريخًا مجيدًا
دروس حضارية من قصص سورة الكهف"
بقلم/الباحث البروفيسور .م.الدكتور عيد كامل حافظ النوقي
مقدمة:
في زمنٍ تكثر فيه الأعداد وتقلّ الفاعلية، وتُرفع فيه الشعارات بينما تغيب التضحيات، تأتي سورة الكهف لتصحّح ميزان النهضة، وتعيد تعريف القوة والتغيير. فصناعة التاريخ المجيد لا تبدأ من الكثرة العددية، وإنما من قلةٍ صالحة واعية، آمنت بربها، وأحسنت الأخذ بالأسباب، وثبتت على الحق، فغيّرت مجرى التاريخ، وخلّدها القرآن إلى قيام الساعة.
سورة الكهف ليست قصصًا للعظة المجردة، بل منهج حضاري متكامل يعلّم الأمة كيف تنهض، ومن أين تبدأ، ومن هم صُنّاع التحول الحقيقي.
أولًا: فتية الكهف… الإيمان الواعي أساس النهضة:
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]
لم يكونوا كثرة، ولم يمتلكوا سلطانًا ولا سلاحًا، لكنهم امتلكوا أعظم مقومات النهضة:
إيمانًا راسخًا لا مساومة فيه
وعيًا عقديًا ميّز بين الحق والباطل
شجاعة أخلاقية في مواجهة الانحراف العام
اختارت هذه القلة الصالحة الهجرة بدينها، فصنعت نموذجًا خالدًا في التضحية والثبات، لتعلّم الأمة أن الله يصنع بالتقوى ما لا تصنعه الجيوش.
درس حضاري:
النهضة تبدأ حين تحمي القلة الصالحة هويتها قبل أن تحمي أرضها، وقيمها قبل أن تطالب بسلطانها.
ثانيًا: صاحب الجنتين… الكثرة بلا قيم طريق السقوط:
قال تعالى:
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34]
قصة صاحب الجنتين تفضح وهم النهضة القائمة على المال والقوة المادية وحدها.
فالكثرة العددية والثراء حين ينفصلان عن الإيمان والعدل يتحولان إلى أداة هدم لا بناء.
في المقابل، وقف صاحبُه المؤمن وحده، بلا مال ولا جاه، لكنه امتلك:
_بصيرة إيمانية
_حكمة في النصح
_ثباتًا على القيم
درس حضاري:
أمةٌ تُقدّم المال على القيم، والقوة على الحق، تملك أسباب الانهيار ولو امتلكت كل وسائل الرفاه.
ثالثًا: موسى والخضر… القلة العالمة تصنع الوعي العميق:
قال تعالى:
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]
في هذه القصة يظهر نوع آخر من القلة الصالحة: قلة العلم الراسخ والحكمة العميقة.
الخضر وحده كان يحمل رؤية تتجاوز ظاهر الأحداث، وتبصر بمآلات الأمور، بينما تعجز العيون السطحية عن الفهم.
درس حضاري:
نهضة الأمة تحتاج إلى قلةٍ ربانية عالمة، تفهم الواقع بميزان الشرع، وتدير الأزمات بحكمة، وتبصر العواقب قبل القرارات.
رابعًا: ذو القرنين… القيادة الصالحة وإن كانت قليلة تصنع حضارة
قال تعالى:
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95]
لم يكن ذو القرنين طاغية ولا مستبدًا، بل قائدًا صالحًا جمع بين:
_الإيمان
_العدل
_التخطيط
_توظيف القوة لخدمة الإنسان
فصنع حضارة، وحمى الضعفاء، وأقام سدًا لا يزال رمزًا للتخطيط الحضاري الراشد.
درس حضاري:
قيادة صالحة واحدة قد تغيّر مصير أمة، بينما قيادات فاسدة كثيرة لا تصنع إلا الخراب.
خامسًا: السنن الربانية في صناعة التاريخ:
من خلال قصص سورة الكهف تتجلّى سنن لا تتبدل:
العبرة بالكيف لا بالكم
القلة المؤمنة الصادقة أصل كل تغيير
الحق لا يحتاج كثرة، بل ثباتًا
التاريخ تصنعه المبادئ لا الشعارات
قال تعالى:
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 249]
خاتمة: من القلة تبدأ النهضة:
إن نهضة الأمة اليوم لن تبدأ حين تكتمل الأعداد، بل حين تكتمل النوعية:
_قلة صادقة في إيمانها
_واعية بدورها
_ثابتة على قيمها
_متصلة بربها
فإذا صلحت القلة، صنع الله بها تاريخًا مجيدًا، وفتح لها أبواب التمكين، كما فعل مع فتية الكهف، وصاحب موسى، وذي القرنين.
رسالة :
لا تحتقر القلة إن كانت مع الله، فبها تُصنع الأمم، ويُكتب المجد، وتُستعاد الحضارة.
اللهم فرج كرب أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين.

0 تعليقات