د. عيد النوقي و مواجهه نقدية لمقال اللواء جمال حماد،، لقاء الجبابرة،، ديلي جراف 🇸🇴

 

"بين الاستراتيجية والخطاب: قراءة نقدية منهجية في نص اللواء أشرف جمال حماد للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران



بقلم /الباحث الأديب والمفكر الناقد الدكتور عيد كامل حافظ النوقي. 


 المدخل العام:


يمثل النص الذي كتبه اللواء أشرف جمال حماد محاولة تحليلية ذات طابع استراتيجي وسياسي، يسعى فيها الكاتب إلى مناقشة قرار دخول الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، ويرى أن هذا القرار يمثل في تقديره  خطأً استراتيجيًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة.


يقوم النص على فرضية مركزية مفادها أن إعلان التحالف العسكري العلني بين واشنطن وتل أبيب أضر بمصالح الطرفين أكثر مما أفادهما، وأنه كان يمكن تحقيق الأهداف العسكرية ذاتها بطرق أكثر ذكاءً على المستوى الاستراتيجي.


ومن خلال القراءة المتأنية للنص يتضح أنه يجمع بين التحليل العسكري، والرؤية السياسية، والبعد النفسي والإعلامي، وهو ما يستدعي قراءة نقدية متعددة الزوايا.


أولاً: التحليل الاستراتيجي للنص:


ينطلق الكاتب من مبدأ معروف في الفكر الاستراتيجي وهو:


تقليل عدد الخصوم الفعليين في ساحة الصراع قدر الإمكان.


وهذا المبدأ أشار إليه العديد من منظري الحرب مثل كارل فون كلاوزفيتز في كتابه عن الحرب، حيث أكد أن التحالفات العلنية قد توسع دائرة الحرب بدل تقليصها.


1) فكرة تحييد الأطراف:


يرى الكاتب أن الخطأ الجوهري هو إعلان التحالف العسكري المباشر، لأن ذلك:


أعطى إيران مبررًا لضرب القواعد الأمريكية.


وسّع نطاق الحرب ليشمل الخليج.


نقل المعركة من صراع إسرائيلي-إيراني إلى صراع إيراني _أمريكي.


وهذا تحليل ينسجم مع مبدأ عسكري معروف:


الحرب المحدودة أفضل من الحرب المفتوحة.


2) مسألة القواعد العسكرية:


يشير النص إلى نقطة استراتيجية مهمة:


وجود القواعد الأمريكية في الخليج يجعلها أهدافًا تلقائية في أي حرب أمريكية مباشرة.


وهي ملاحظة واقعية لأن:


القواعد العسكرية غالبًا ما تتحول إلى رهائن استراتيجية.


الدول المضيفة تتحمل تبعات الصراع.


3) السيناريو البديل الذي يقترحه الكاتب


يقترح الكاتب احتمالين:


حرب إسرائيلية منفردة.


حرب أمريكية منفردة دون إسرائيل.


وهذا يدخل ضمن ما يسمى في الدراسات الاستراتيجية:


سياسة "الفصل العملياتي" (Operational Separation)


أي إدارة الحرب دون إظهار التحالف الكامل.


ثانياً: التحليل السياسي للنص:


النص يركز على بعد مهم في السياسة الدولية وهو:


الرأي العام العالمي.


فالكاتب يرى أن:


ظهور التحالف الأمريكي الإسرائيلي يمنح إيران تعاطفًا دوليًا.


بينما لو كانت إسرائيل خارج الصورة لكانت إيران تبدو المعتدي الوحيد.


وهذا تحليل يرتبط بما يسمى في العلاقات الدولية:


حرب السرديات الإعلامية (Narrative War).


فالانتصار في الحرب الحديثة ليس عسكريًا فقط، بل إعلاميًا ونفسيًا أيضًا.


ثالثاً: التحليل النفسي للنص:


يتميز النص بنبرة نفسية واضحة، إذ يحاول الكاتب:


إقناع القارئ بأن القرار غير عقلاني.


إظهار نفسه في موقع المحلل الهادئ مقابل قرار متسرع.


ويستخدم في ذلك أدوات نفسية مثل:


الأسئلة الاستنكارية


المقارنات التاريخية


استحضار مثال حرب الخليج وصدام حسين


وهذا الأسلوب يقوي القدرة الإقناعية للنص.


رابعاً: التحليل البلاغي للنص:


النص غني بعدة أساليب بلاغية مؤثرة، منها:


1)أسلوب الاستفهام التحليلي:


مثل قوله:


"ما حاجة العم سام لإسرائيل في تلك الحرب؟"


وهو استفهام يقصد به إثارة التفكير لا طلب الجواب.


2) أسلوب المقارنة التاريخية:


استدعاء مثال صدام حسين وقصف تل أبيب يعطي للنص:


بعدًا تاريخيًا


قوة استدلالية.


3) أسلوب التدرج المنطقي:


النص يتحرك وفق تسلسل:


فرضية الخطأ.


عرض البدائل.


تحليل النتائج.


وهو تسلسل منطقي جيد في الكتابة التحليلية.


خامساً: التحليل الشرعي للقضية:


من منظور إسلامي، فإن الحرب في أصلها آخر الحلول، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:


﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾


(الأنفال: 61)


كما أن من قواعد السياسة الشرعية:


درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.


فإذا كان القرار العسكري يؤدي إلى:


توسع الحرب


استهداف المدنيين


تهديد أمن المنطقة


فإن القاعدة الشرعية تميل إلى تقليل دائرة الصراع.


سادساً: مواطن الجمال والقوة في النص:


الطرح الواقعي المرتبط بالجغرافيا العسكرية


مثل الحديث عن مضيق هرمز والقواعد الأمريكية.


استخدام أمثلة تاريخية داعمة


مثل تجربة صدام حسين.


وضوح الفكرة المركزية للنص


وهي: أن التحالف العلني خطأ استراتيجي.


لغة تحليلية مباشرة:


تخاطب القارئ بوضوح دون تعقيد.


قدرة الكاتب على تصور سيناريوهات بديلة


وهي مهارة مهمة في التحليل العسكري.


سابعاً: الملاحظات النقدية على النص:


رغم قوة النص، إلا أن القراءة المنهجية تكشف بعض النقاط النقدية:


1)غلبة الرأي على الدليل.


النص يعتمد بدرجة كبيرة على التحليل الشخصي دون الاستناد إلى:


تقارير عسكرية


دراسات استراتيجية موثقة


2) إغفال بعض العوامل:


مثل:


طبيعة التحالفات العسكرية الدولية


الالتزامات الأمنية بين واشنطن وتل أبيب


3)غياب البعد الاقتصادي للحرب:


لم يناقش الكاتب:


تأثير النفط


الاقتصاد العالمي


العقوبات


وهي عناصر أساسية في أي حرب إقليمية.


4) التعميم في بعض الاستنتاجات:


مثل القول إن القرار لم يحقق أي مكسب، وهو حكم يحتاج إلى أدلة أوسع.


ثامناً: القيمة الفكرية للنص:


يمكن تصنيف النص ضمن:


التحليل العسكري الاستراتيجي النقدي


وهو نوع مهم من الكتابة يساهم في:


توسيع النقاش السياسي


نقد القرارات العسكرية


تحفيز التفكير الاستراتيجي.


تاسعاً: أبيات شعر:


يا أشرفَ الفكرِ في العرض منطلقًا


كأنَّ حرفَكَ في الآفاقِ إعصارُ


تُجلي العقولَ إذا ما الحربُ أرهقها


ويستبينُ بكم في الفكرِ أسرارُ


تمضي بعينِ خبيرٍ لا تغيبُ له


عن موضعِ الخللِ المخفيِّ أنوارُ


تخطُّ رأيًا كحدِّ السيفِ منطلقًا


إذا تكلَّمتَ سكتَ الجدلُ والحوارُ


يا فارسَ الرأيِ إن الفكرَ مدرستٌ


وفي كتابِكَ للإدراكِ إبحارُ


إن قال أهلُ النهى: أين البصيرةُ؟ قل


في عقلِ أشرفَ للأفكارِ منارُ.


الخاتمة :


يمكن القول إن نص المبدع اللواء أشرف جمال حماد يمثل محاولة تحليلية جادة لقراءة القرار العسكري من زاوية استراتيجية، وقد نجح في إثارة أسئلة مهمة حول طبيعة التحالفات والحروب الحديثة.


ورغم بعض الملاحظات المنهجية، يبقى النص مساهمة فكرية تحفّز النقاش حول إدارة الصراعات الدولية، وتكشف أهمية التفكير الاستراتيجي العميق قبل اتخاذ القرارات العسكرية الكبرى.


دام التميز والابداع يا فنان






إرسال تعليق

0 تعليقات