ميزان البيان في البعوضة وما فوقها
قطائف ولطائف
بقلم ايمان عوض 🇪🇬
ان الله لا يستحيي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به الا الفاسقين
سورة البقرة الاية 26
إن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم يمثل حقيقة ايمانية عميقة تربط بين كلمة الله المكتوبة وبين خلقه المنظور في الكون.
فالقرآن تضمن آيات دقيقة لم تكن معروفة وقت نزول الوحي، وأشار الى حقائق علمية عديدة، كما ورد في المثل الذي ضربه الله عز وجل بالبعوضة وغيرها من المخلوقات التي تحمل في تكوينها البيولوجي تعقيدات مذهلة تعجز العقول عن ادراك كنهها الا من خلال البحث العلمي المتواصل.
وكلما تقدم العلم وتطورت ادوات البحث تبين أنه كتاب أحكمت آياته، فحين نقرأ هذه الآية الكريمة، نظن لأول وهلة أن ألفاظها سهلة ومفهومة، لكن القرآن الكريم ليس كتاباً اعتيادياً، فهو يحوي في طيات كلماته معاني لا حصر لها، تتكشف يوماً بعد يوم عن كنوز مخبأة، ليظل القرآن معجزاً باقياً، لا يندثر ولا يسقط بالتقادم.
وقد استوقفت عبارة فما فوقها المفسرين وقفة إجلال أمام بلاغة القرآن، التي استوعبت في كلمتين وجيزتين أبعاداً كونية وعلمية مذهلة
إن هذا التعبير القرآني لا يمثل إشارة عابرة إلى الحجم، بل هو مفتاح لمنظومة بيولوجية معقدة، إذ تتقاطع فيه التفسيرات اللغوية مع الحقائق العلمية الحديثة حول البعوضة، تلك الحشرة التي تنتمي لرتبة ذوات الجناحين، والتي تضم قرابة 3000 نوع، وتعتبر كائناً حيوياً مرتبطاً بشبكة معقدة من العلاقات عبر تاريخها الذي يمتد لأكثر من 150 مليون سنة.
هذا الكائن الصغير يزخر بعجائب الإبداع الإلهي، فالبعوضة تمتلك مائة عين، وثمان وأربعين سناً، وثلاثة قلوب. كما زودها الله بأجهزة فائقة الدقة ..جهاز استقبال حراري، وجهاز تحليل، وجهاز تخدير، وجهاز تمييع للدم لتمتصه بسهولة، ولها محاجم تعمل بضغط الهواء لتلتصق بالأسطح الملساء، ومخالب للوقوف على الأسطح الخشنة، كما يرفرف جناحاها بتردد عالي يصل إلى درجات الطنين آلاف المرات في الثانية الواحدة، وهي تشم رائحة عرق الإنسان من مسافات تصل إلى ستين كيلومتراً، وتستخدم شعيرات حسية دقيقة على أرجلها ورأسها للوصول إلى عوائلها.
إنها معجزة تستحق التأمل، حيث يرجح العلماء أن البعوض يعالج المعلومات بسرعة مذهلة.
وعلى الصعيد اللغوي، يشير المفسرون إلى أن كلمة فوق تأتي هنا للتدرج في الرتبة أو الحجم، صعوداً إلى ما هو أعظم منها كالحيوانات الكبرى، أو نزولاً إلى ما هو أصغر منها في الدنو أو الدقة، مما يجعلها مثالاً للبلاغة الإيجازية، فالبعوضة هنا تضرب مثلاً في الدنو في المرتبة، وما فوقها قد يعني ما هو أصغر منها، أو ما هو أكبر منها من المخلوقات.
أما من الناحية العلمية، فقد كشفت الأبحاث عن عالم خفي يعيش داخل البعوضة وعلى سطحها، وهو ما يجسد التفسير القائل بأن ..ما فوقها يشير إلى الكائنات الدقيقة المتعايشة معها، والتي تلعب أدواراً حيوية في حياتها ومقاومتها للأمراض، بل إن بعض هذه الكائنات كالعث Mites تعيش فوق جسدها ولا تُرى إلا بالمجاهر المكبرة
إن هذه العلاقات المعقدة بين البعوضة وما فوقها تعكس حكمة الله البالغة التي لم يخلق هذا الكون هباء.
إن المنهج الذي يدعو اليه القرآن وهو منهج التفكر والتدبر في ملكوت السماوات والارض، يفتح امام الانسان افاقا واسعة للمعرفة ويجعله يدرك ان كل اكتشاف علمي هو في الحقيقة وسيلة لزيادة الخشوع والاعتراف بضعف المعرفة البشرية امام عظمة الخالق سبحانه وتعالى ،فالعلم مهما بلغ يبقى في اطار قوله تعالى وما اوتيتم من العلم الا قليلا. وبذلك يصبح الاعجاز العلمي جسرا يربط بين العقل والقلب في رحلة البحث عن الحقيقة الكبرى في هذا الوجود.
لذا، سنظل عاجزين أمام هذا البيان الذي احتوى في ثناياه حقائق علمية تكتشفها البشرية يوما بعد يوم.
كما قال تعالى
وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون
سورة الجاثية الاية 4

.jpg)
.jpg)
0 تعليقات