بين الضرورة والتوقيت فلسفة الاقتراض في زمن الضغوط د مصطفي علي

 

بين الضرورة والتوقيت فلسفة الاقتراض في زمن الضغوط




كتب دكتور مصطفي علي 


ليست المشكلة في أن تقترض الدولة، فالدين أداةٌ عرفتها الأمم منذ أن عرفت البناء.

المشكلة أن يتحول الاقتراض من جسرٍ إلى عبورٍ، إلى عادةٍ لا تُسائل نفسها.

في لحظةٍ تتكدّس فيها الأسئلة في صدور الناس حول الكلفة، وحول القدرة، وحول الغد الذي يتأخر ولا يأتي، يصبح من حق الرأي العام أن يسمع ما هو أبعد من رقمٍ جديد يُضاف إلى سطرٍ قديم.

لا أحد يُجادل في قيمة الطرق، فـ الطرق اقتصادٌ حين يُحسن التخطيط لها.

ولا أحد يُنكر أن البنية التحتية شرطٌ للاستثمار، وأن المدن الجديدة تحتاج إلى شرايين.

لكن السؤال الذي لا يجوز القفز فوقه هو، أيُّ تمويلٍ نختار؟ وبأي ترتيبٍ للأولويات؟ وهل يسبق البناءَ حسابُ العائد، أم يتأخر عنه؟

حين تُموَّل المشروعات الكبرى بقروضٍ سيادية، فإن الدولة تضع اسمها كله في كفّة المخاطرة.

وهذا ليس عيبًا إن كان العائد مُثبتًا، مُحسَبًا، مُفصحًا عنه.

غير أن الثقة لا تُبنى بالوعود، بل بالجداول.

الناس لا تريد معارك خطابية، بل تريد ورقة حساب، تقول بوضوح...

كم سيدخل؟ متى؟ وبأي سيناريو إذا تعثّر الزمن أو تغيّر السوق؟

إن إدارة الدين ليست مسألة شجاعة أو تراجع، بل مسألة حوكمة.

والحوكمة تعني أن نُفرّق بين ما هو ضروريٌّ الآن، وما يحتمل التأجيل المرحلي.

تعني أن نسأل....

هل العائد المتوقع أعلى من تكلفة التمويل؟

وهل توجد أدواتٌ أقل ضغطًا على الخزانة العامة؟

وهل وُزِّعت المخاطر على أكثر من كتفٍ، أم حُمِّلت كلها لكتف الدولة؟

ولأن النقد لا يكتمل بلا اقتراح، فإن أمامنا مساراتٍ عملية، واقعية، وفعالة... 

- أولًا: التحول من الاقتراض السيادي الكامل إلى نماذج الشراكة مع القطاع الخاص، بحيث يُموَّل المشروع عبر تدفقاته النقدية المستقبلية، لا عبر الدين العام وحده.

من يدير المشروع ويستفيد من إيراداته، يتحمل جزءًا من مخاطره.

- ثانيًا: إصدار سندات مشروع، مرتبطة بعائد محدد، تُسدَّد من إيرادات الطرق أو المحطات نفسها.

بهذه الآلية يصبح التمويل مرتبطًا بالأصل المنتج، لا بعموم الموازنة.

- ثالثًا: إعادة ترتيب الأولويات وفق معيار العائد الاقتصادي المباشر وغير المباشر.

ليس كل مشروع عاجلًا في اللحظة نفسها.

المرحلية ليست ضعفًا، بل ذكاء توقيتي.

- رابعًا: نشر تقارير دورية مفصّلة عن الأداء المالي للمشروعات الكبرى، تتضمن مقارنةً بين التقديرات السابقة والعائد الفعلي.

الشفافية لا تُقلق المستثمر، بل تُطمئن المجتمع.

- خامسًا: تفعيل آليات إعادة تدوير الأصول، أي تأجير حق الانتفاع في أصول قائمة تُحقق تدفقات مستقرة، واستخدام حصيلتها في تمويل مشروعات جديدة، بدل التوسع في الاقتراض.

- سادسًا: مراجعة هيكل الرسوم والخدمات المرتبطة بالمشروعات الجديدة بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة التمويل، دون إرهاق المواطن.


- ما أردت قوله.....


القضية إذن ليست طريقًا في مدينة، بل مسارًا في إدارة المال العام.

وليست مواجهة بين مؤيد ومعارض، بل بين نموذجين، نموذج يرى الاقتراض حلًا أول، ونموذج يجعله خيارًا أخيرًا بعد استنفاد البدائل.

الدولة القوية لا تُقاس بعدد المشروعات التي تُعلن، بل بقدرتها على تمويلها دون أن تُرهق حاضرها أو ترهن مستقبلها.

والناس لا تطلب المعجزات، بل تطلب أن ترى في كل قرضٍ خطةَ سداد، وفي كل مشروعٍ ميزانَ عائد، وفي كل قرارٍ أثرًا محسوبًا لا أمنيةً معلّقة.

حينها فقط، يتحول الطريق من رقمٍ في خبرٍ عاجل، إلى مسارٍ حقيقيٍّ نحو اقتصادٍ أكثر توازنًا، وثقةٍ لا تحتاج إلى أمثالٍ شعبية كي تعبّر عن قلقها.

إرسال تعليق

0 تعليقات