الأديب السيد فريج يكتب الزينة بين المفهوم العام وزينة النساء

 

الزينة
بين المفهوم العام وزينة النساء 





خلط المفاهيم ومقاصد التشريع في ضوء الآيات القرآنية


﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾


مقدمة إشكالية:


يُعدّ مصطلح "زينة المرأة" في القرآن من أكثر المواضع التي وقع فيها اختلاف في تحديد المفهوم المركزي لها: هل تتحدث عن الجسد، أم عن الملبس، أم عن منظومة اجتماعية من التزيّن والظهور؟


ينشأ هذا الإشكال أساسًا من خلط المفاهيم اللغوية بين "الزينة" و"موضع الزينة" ، ومن نقل الدلالة من الحقل القرآني الداخلي إلى تصورات تفسيرية لاحقة والأكثر غرابةً فرض هذا المفهوم الإنساني المشوه وانزال القدسية عليه ليغدو دينًا.


لذلك يصبح السؤال :


ما دلالة "الزينة" في الاستعمال القرآني نفسه، قبل أي إسقاط خارجي؟


أولًا: الزينة في القرآن : الدلالة الأصلية


عند تتبع لفظ الزينة في القرآن نجد نمطًا دلاليًا ثابتًا:


1) الزينة ليست هي الشيء نفسه بل ما يُضاف إليه


﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: 7]


الأرض ليست زينة، بل الزينة ما أضيف إليها.


﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: 24]


الزينة هنا ليست الأرض، بل ما ظهر عليها من زخرف وبهجة.


﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79]


قارون لم يخرج في جسده، بل في مظهره الخارجي من ثياب ومظاهر ثراء.


{وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}  ﴿٨٨ يونس﴾


{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } ﴿٣١ الأعراف﴾


النتيجة:


في الاستعمال القرآني الزينة هي:


"ما يُضاف إلى الشيء ليظهر في صورة أجمل"، لا الشيء ذاته.


ثانيًا: "زينة النساء" 


إعادة تركيب الدلالة


عند الانتقال إلى قوله تعالى:


﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31]


نلاحظ أن النص لم يقل:


لا يبدين أجزاء من أجسادهن بل اختار لفظًا محددًا: الزينة


وهذا يفتح سؤالًا دقيقًا:


لماذا التعبير بالزينة بدلا من الجسد إذا كان المقصود الجسد كما يقول اغلب المفسرين؟


ثالثًا: الاستثناء "إلا ما ظهر منها" 


﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾


منهجًا داخليًا في اللغة:


ظهر لا تساوي أُظهر.. 


ما ظهر اي ما هو ظاهر بطبيعته أو بحكم الواقع والضرورة


وبما أن الزينة في الأصل شيء مضاف، فإن "ما ظهر منها" يمكن أن يفهم باعتباره:


ما لا ينفكّ عن الظهور في الحياة العامة من المظهر الخارجي (كاللباس العام وهيئة الإنسان الاجتماعية وما يطلق عليه الناس "ملابس الخروج" )


وليس - قطعًا - عضوا جسديًا.


رابعًا: الخمار والجيب : نقطة تنظيم تتعلق بالزينة لا بالجسد  


﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾


الآية هنا لا تبدأ بفرض خمار فهو امر معلوم بمعنى غطاء، والأمر آنما بضرب الغطاء على الجيوب.. والجيب ليس كما يقول البعض يتعلق بفتحات من الجسد فهذا مفهوم سطحي لا نتفق معه ولا يقره منطق


{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} 


والجيب في اللسان هو فتحة الثوب عند الصدر/العنق. وهي موجودة بحكم اللزوم لإمكان ارتداء الثياب


إذن النص يتحرك من:


وجود لباس "زينة" إلى:


تنظيم موضع الإظهار والانكشاف في اللباس نفسه


لا من الجسد إلى تغطيته.


خامسًا: دوائر الزينة : التنظيم الاجتماعي لا التشريح الجسدي


﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ...﴾


القائمة هنا ليست قائمة "كشف جسد" فهو تفسير لا يتفق رالآداب القرآنية العامة بل والفطرة الانسانية، بل قائمة علاقات اجتماعية تتعلق بالحياة والإختلاط بحكم الضرورة في ضوء التناسق المفاهيمي وقدسية المحرمات


زوج


أب


أبناء


محارم


وهذا يحول الخطاب من:


تشريح جسدي عضوي غير مقبول إلى:


تنظيم إظهار الزينة داخل دوائر القرب الاجتماعي


وبالتالي يصبح المعنى:


اختلاف مستوى إظهار الزينة (اللباس، الحلي، الهيئة) بحسب طبيعة العلاقة الاجتماعية (ملابس البيت) 


سادسًا: الضبط السلوكي : منع تحويل الزينة إلى استعراض


﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾


هذه الآية تكشف بوضوح أن المشكلة ليست "الكشف المباشر" بل:


تحويل المخفي إلى معلن عبر السلوك وطريقة المشي ولها مدلولات وتعبيرات شعبية يعلمها الجميع تعني في مجملها "الليونة والميوعة" 


أي أن التشريع لا يركز فقط على "الستر" ، 


بل على منع الإثارة المقصودة ومنع لفت الانتباه المتعمد إلى الزينة (ملبس وخلافه) 


وهذا يثبت أن موضوع الخطاب هو الزينة كمنظومة ظاهرة اجتماعية لا كأجزاء وأعضاء جسدية.


سابعًا: مقاصد التشريع في آيات الزينة


من خلال جمع الآيات يتضح أن المقصود ليس تصوير الجسد، بل تنظيم المجال الاجتماعي:


ضبط الظهور العام للإنسان في المجتمع.


تنظيم مستويات التزين بين العام والخاص.


منع الاستعراض والإثارة المقصودة.


حماية الفضاء الأسري من التوتر الجنسي الاجتماعي وتخفيف القيود على النساء الى الحدود المقبولك واللائقة مجتمعيا.


تحويل اللباس والزينة إلى أداة وقار لا أداة استعراض.


خاتمة:


من خلال الاستقراء الداخلي للفظ "الزينة" في القرآن، يتبين أن:


الزينة في أصلها القرآني: ما يُضاف إلى الشيء لا الشيء نفسه.


آيات النساء في النور لا تنتقل إلى تشريح الجسد بل إلى تنظيم الظهور الاجتماعي.


الاستثناءات ليست "كشف أعضاء" ، بل تفاوت في درجات إظهار الزينة بحسب العلاقات.


الخمار والجيب يعالجان نقطة لباس محددة لا تعريف جسد كما في الجلباب وإدنائه


وبذلك فإن الإشكال ليس في النص، بل في:


انتقال المفهوم من "الزينة" إلى "موضع الزينة أي جسد المرأة" دون قرينة قرآنية صريحة.


إن فهم آيات الله تكون من خلال العقل والمنطق وصدق الواقع "فالله لا يعبد بجهل".


السيد فريج





إرسال تعليق

0 تعليقات