قصر الحروف
الجزء الأول
معاناة قلم
كانت لها معه حكايات وحكايات .. كلمات وجمل، نصوص وقصص، الكثير و الكثير، لكل كلمة معنى ولكل معنى أثر.
رحلتها معه شاقة وطويلة، من أطول الرحلات، لم تكن تدري هل ستتوقف يوما أم ستمضي إلى ما لا نهاية.
كتبت وكتبت حتى أنهكها التعب والمشقة، لدرجة أنها لم تعد تقوى على الانتقاء، حتى أصيب ذاك القلم الذهبي بعد سنوات من التضحية باعوجاج نصفي، مع أنه لا يستحق ذلك، كان مخلصا نبيلا يعتمد عليه في السراء والضراء.
وأوراقها هي الأخرى سأمت الوضع، ، تناثرت .. وطارت مع الرياح كأنها قررت الرحيل بعد صبر طويل، يا إلهي، لم تعد تدري ماذا حل بأدواتها؟ ذهلت واندهشت لما حدث، أصابها الذعر! وأهي ترى أغلى ما تملك في حالة يأس.
قلمها .. أوراقها ومحبرتها .. حتى شمعتها من كثرة الدموع المنهمرة على مكتبها، كادت أن تحرقه لولا أنها استفاقت من غفلتها على رائحة دخان خشبه القديم، الذي كان ضحية انتحار شمعة! ضحت هي الأخرى من أجل الفرح والابتسامة.
وأخطر ما في الأمر، قد عرفت بعد فوات الأوان أنها المذنبة، بعدما كادت أن تفقد كل ما يشعرها بمعنى الحياة.
صراخ .. أنين وآهات.. بدأت روحها تبتعد عنها شيئا فشيئا، كأنها تريد مفارقت، أوشكت على الإغماء لولا أنها تحركت ببطء شديد، حتى تتمكن من شرب كأس ماء زلال، إضافة إلى فنجان قهوة لعلها تستعيد وعيها الذي فقدته منذ بدأت الكتابة.
وبعد ثواني شعرت أن حالتها استقرت بعض الشيء، ما جعلها تتذكر وتتساءل: ما الذي جعل أغراضها تنتحر؟ ماذا حل بها يا ترى؟
وهي تهمس بصوت خافت، مطأطئة الرأس، مركزة نظرها على الأوراق المبعثرة فوق الأرض، فإذا بورقة أثارت فضولها حيث كانت مختلفة عن باق الأوراق لونا وشكلا! لم يكن عليها إلا أن تلتقطها وتدقق فيها عن قرب، والغريب أنها مجرد ما قرأت العنوان، حتى انهمرت الدموع من أعينها دون وعي، كان تأثرا بانطباقه على قصة طويلة محزنة ومؤلمة، ومن إعجابها وتدقيقها لذلك العنوان القاسي، فهمت القصة من أولها لآخرها
ما جعل تحول شعرها الأسود اللامع إلى الأبيض، التجاعيد قد كست وجهها ، كما تغير صوتها من رنين جميل إلى بحة خشنة.
أما يداها فمن شدة ارتجافهما صار القلم يسقط من بين أصابعها، يا إلهي، في ثوان تحولت من شابة جميلة إلى عجوز شمطاء مرتبكة! جفت دموعها من كثرة البكاء، وهي تردد بشفتين مرتعشتين: ( الجرح المزمن)
كان العنوان المكتوب على الورقة لا يفارق شفتاها وفي لحظة انتابها شعور غريب، وكأنها عثرت على شيء ضائع منها منذ بدأت المأساة، علمت حينها أنها السبب
وأدركت خطئها.. وما إن عرفت أين يكمن الخلل حتى غيرت العنوان بسرعة فائقة، بعنوانا أطول ذو معنى أعمق.
( الطغيان على اليأس من خصال الأذكياء) تأملته هنيهة قبل أن تشعل شمعة أخرى وأضع قلما
جديدا بين أناملها.
بدأت تكتب بسرعة بديهية، وتكتب وتكتب. لم تنته بعد من المقدمة حتى راودها الأمل، ومع استمرارها في الكتابة عاد لها التفاؤل، لتلاحظ أن تجاعيد وجهها بدأت تتلاشى، ولون شعرها بدأ يتحول تدريجيا من الأبيض إلى الأسود، ازدادت أناملها قوة وشغفا بالكتابة، والحروف صارت ترقص أمامها على إيقاع موسيقي هادئ وجميل، أما الجمل فقد ترتبت وحدها دون مساعدة.. توقفت لبرهة ونظرت حوليها فأذا به ترمق قلمها المخلص في أبهى صورة، لم يبق لاعوجاجه أثر.
وهاهي أوراقها المبعثرة اجتمعت وترتبت .. يا للعجب! حتى شمعتها الذائبة جمعت دموعها من فوق مكتبها الخشبي القديم، استقامت واشتعلت من جديد، فزادت مكتبها نورا على نور.
أدركت حينها المغزى، فمررت بنظرها بين سطور القصة لتروقها كلماتها التي ترمز إلى التفاؤل، ابتسمت ابتسامة عريضة وهي تنظر إلى الحياة بمنظور مختلف.
وفي هذه الأثناء انتصف الليل .. وعم الهدوء،
أطفأت الشمعتين، ووضعت القلمين فوق المذكرة.
استرخت على فراشها أغمضت عينها لاقىىىى وأنا أحاول الخلود إلى النوم.
المسعودي فتحية
المغرب
🇲🇦



0 تعليقات