محمد كريم حين علَّمت الإسكندرية الدنيا أن الأوطان لا تُباع

 

محمد كريم حين علَّمت الإسكندرية الدنيا أن الأوطان لا تُباع





ليست المدن حجارةً تُشاد، ولا شوارع تُعبد، ولا أسوارًا تُقام؛ وإنما المدن رجال. فإذا أنجبت الرجال، صنعت التاريخ، وإذا صنعت التاريخ، صارت مدرسةً للأمم. ومن بين مدن الدنيا، وقفت الإسكندرية شامخةً على ضفاف المتوسط، لا تعلم أبناءها حب البحر وحده، بل تعلمهم أن الوطن أغلى من العمر، وأن الكرامة أثمن من الحياة.


ومن رحم هذه المدينة الخالدة خرج محمد كريم؛ الرجل الذي لم يكن يملك جيشًا يقارع جيوش أوروبا، ولا إمبراطورية تنازل القوى العظمى، لكنه امتلك ما هو أعظم من السلاح: إيمانًا لا يتزعزع بأن الوطن لا يُسلَّم، وأن الحرية لا تُستجدى، وأن الأرض التي رويت بعرق الآباء لا تُفرط فيها الأجيال.


وفي صيف عام 1798، عندما أطل أسطول نابليون بونابرت على شواطئ الإسكندرية، كانت المدينة أول من وقف في وجه الغزو. أدرك محمد كريم أن المعركة غير متكافئة، وأن القوة تميل إلى الفرنسيين، لكنه أدرك أيضًا أن التاريخ لا يسأل: كم كان عدد الجنود؟ بل يسأل: من وقف؟ ومن دافع؟ ومن أدى الأمانة؟


فجمع رجال المدينة، ودافع عن الإسكندرية دفاع الأحرار، حتى سقطت بعد مقاومة سجلها المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي. ولم يسقط معها شرفها، لأن الرجال الذين يذودون عن أوطانهم لا يُهزمون، وإن خسروا الميدان.




أُسر محمد كريم، وحوكم، ثم أُعدم في السادس من سبتمبر سنة 1798، لكنه لم يمت في الحقيقة؛ إذ بقي حيًا في ذاكرة الوطن، وبقي اسمه شاهدًا على أن الأوطان لا يحفظها كثرة العتاد وحدها، وإنما يحفظها صدق الانتماء.


لقد  سطرت  الإسكندرية   أول درس في مقاومة الحملة الفرنسية، ومنها انطلقت رسالة خالدة إلى العالم كله: أن حب الوطن ليس شعارًا يُردد، بل موقفٌ يُتخذ، وتضحيةٌ تُبذل، وعهدٌ لا يُنقض.


إن الأمم التي تنسى أبطالها تفقد بوصلتها، أما الأمم التي تخلد رجالها، فإنها تزرع في قلوب أبنائها شجرة الانتماء، فينشأ جيل يعرف أن الدفاع عن الوطن ليس مهمة الجنود وحدهم، بل رسالة كل معلم، وكل طبيب، وكل عامل، وكل كاتب، وكل شريف يعيش على هذه الأرض.


وليس أعظم تكريم لمحمد كريم أن يُقام له تمثال، أو يُطلق اسمه على ميدان، وإنما أن يخرج من بين شبابنا ألف محمد كريم؛ يحملون الأمانة نفسها، ويحبون وطنهم بالعمل، ويحفظونه بالإخلاص، ويعمرونه بالعلم، ويدافعون عنه إذا نادى الواجب.


فيا أبناء الإسكندرية... يا أبناء مصر... تذكروا أن مدينتكم لم تكن يومًا مجرد ثغرٍ على البحر، بل كانت حصنًا للوطن، ومنارةً للحضارة، ومدرسةً علَّمت الدنيا أن الانتماء للأوطان ليس كلمات تُقال، بل دماء تُبذل، وأمانة تُصان، وتاريخ يُورث للأجيال.


رحم الله محمد كريم، ورحم كل من صدق في حب وطنه، وجعل مصر آمنةً عزيزةً أبية، تبقى كما كانت دائمًا... وطنًا يصنع الرجال، ويصنع الرجالُ مجدَه.





إرسال تعليق

0 تعليقات