المسرح المصري بين الأمس و اليوم
الحلقة السادسة
عندما خرج المسرح من الخشبة إلى المجتمع
لم يكن تأسيس المسرح القومي في عام 1958 نهاية رحلة المسرح المصري، بل كان بداية مرحلة جديدة أكثر اتساعًا؛ مرحلة أصبح فيها المسرح مشروعًا ثقافيًا له مؤسسات وفرق ومسارح، وأصبح الاهتمام به يتجاوز حدود الفرقة الخاصة إلى بناء حركة مسرحية قادرة على الاستمرار وصناعة أجيال جديدة من الفنانين.
ومع ستينيات القرن العشرين، دخل المسرح المصري مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة النضج الحقيقي.
فلم تعد القضية هي كيف نقدم عرضًا مسرحيًا يجذب الجمهور فقط، وإنما أصبح السؤال الأهم: ماذا يريد المسرح أن يقول؟ ولمن يقول؟ وكيف يستطيع الفن أن يقترب من الإنسان المصري وقضاياه؟
وفي تلك الفترة، بدأت الدولة تولي الثقافة والفنون اهتمامًا أكبر، وظهرت المؤسسات والفرق المسرحية التي أتاحت للفنانين مساحة أوسع للتجريب والعمل، وأصبح المسرح جزءًا من مشروع ثقافي يسعى إلى الوصول بالفن إلى قطاعات أكبر من المجتمع.
وفي الوقت نفسه، ظهر جيل جديد من كتاب المسرح، حملوا هموم المجتمع إلى خشبة المسرح، ومن بينهم نعمان عاشور، يوسف إدريس، سعد الدين وهبة، ألفريد فرج وغيرهم.
لم تكن كتاباتهم مجرد حكايات للعرض، بل كانت قراءة للمجتمع المصري؛ للعلاقات الإنسانية، وصراع الطبقات، والتغيرات الاجتماعية، وأحلام الإنسان البسيط، ومشكلاته اليومية.
وهنا بدأ المسرح يقترب أكثر من الواقع.
فالشخصية المسرحية لم تعد دائمًا بطلاً أسطوريًا أو شخصية بعيدة عن حياة الناس، وإنما أصبح من الممكن أن يكون البطل موظفًا بسيطًا، أو عاملًا، أو فلاحًا، أو امرأة تبحث عن حقها، أو إنسانًا عاديًا يعيش صراعًا داخليًا يشبه صراع آلاف الناس.
وفي مجال الإخراج، ظهر جيل جديد حمل أفكارًا مختلفة، ومن أبرزهم كرم مطاوع، سعد أردش، نبيل الألفي، وميخائيل رومان وغيرهم، فبدأ المخرج يفرض حضوره بوصفه صاحب رؤية فنية، وليس مجرد منفذ للنص.
وأصبح العرض المسرحي أكثر اهتمامًا بالتكوين البصري، والإضاءة، وحركة الممثلين، والإيقاع، والعلاقة بين الخشبة والجمهور.
وهنا بدأت تتغير وظيفة المخرج.
فالمخرج لم يعد يقول للممثل فقط: «قف هنا وقل هذا الحوار»، وإنما أصبح يبحث عن المعنى الموجود خلف الكلمة والحركة والصمت.
وفي هذه المرحلة أيضًا، لم يعد المسرح حكرًا على العاصمة وحدها؛ إذ بدأت فكرة نشر الثقافة



0 تعليقات