نقد بقلم اديب سيد على عبدالله.
نقد أدبي لنص اجتباء سرمدي للروائية إيمان عوض
«اجتباء سرمدي» نص لا يُقرأ مرة واحدة، لأنه لا يكتفي بحكاية امرأة خرجت من لوحة؛ بل يجعل من اللوحة استعارة للإنسان حين يُختزل إلى شيء في يد الآخر، ثم يكتشف أن خلاصه الحقيقي كان كامناً فيه منذ البداية.
أجمل ما في النص أن الكاتبة لم تقل لنا مباشرة: هذه امرأة مقهورة تبحث عن حريتها، وإنما جعلتها رسمة بالفحم؛ محاصرة داخل إطار، تخاف الخروج، ثم تمنحها الدموع أول وسيلة للتحرر. وهنا تظهر واحدة من أجمل صور النص:
«دموع عيناها نزلت فمحت الخطوط التي شكلت معالم الخوف»
فالبكاء هنا ليس ضعفاً، وإنما أداة محو وإعادة تشكيل. إنها تمحو الخوف من وجهها بدموعها، وكأن الإنسان لا يبدأ في استعادة ذاته إلا عندما يسمح لنفسه بأن يبكي ما كتمه طويلاً.
ثم تأتي اليد الممدودة إليها، وهي من أكثر الرموز ذكاءً في النص؛ إذ تبدو في البداية يد النجاة، لكنها ستتحول لاحقاً إلى يد أخرى من أيدي القيد. وهذه المفارقة تمنح النص عمقه الحقيقي:
ليس كل من يمد يده لينقذك يريد بالضرورة أن يحررك.
الرجل يمنحها السلم، فتخرج من إطار اللوحة، وتتحول من مجرد خطوط إلى كائن يشارك في صناعة الحياة. لكنها، في المقابل، تبدأ في استنزاف ذاتها من أجل إسعاده:
تمنحه الزهور من شعرها، وتفتح له النوافذ، وترتب أوراقه، وتواسيه، وتحمل أحزانه، بل وتسحب من ألوانها لتزيل عن وجهه هالة الألم.
وهنا ينتقل النص من قصة حب إلى تشريح لعلاقة إنسانية غير متوازنة؛ طرف يمنح حتى يتلاشى، وطرف يأخذ حتى يعتاد الأخذ، ثم ينكر في النهاية قيمة ما تلقاه.
ومن أبلغ صور النص:
«باتت مرهقة جداً من إثر خطوط جسدها التي تستنزفها لتخلق له الموجودات لدرجة جعلتها شفافة»
هذه ليست مجرد صورة شعرية؛ إنها تلخيص كامل لفكرة الاستنزاف العاطفي: أن تمنح الآخر من نفسك حتى لا يبقى منك ما يكفيك.
واللافت أن الكاتبة لا تجعل بطلتها ضحية سلبية. على العكس، هي التي ترسم، وهي التي تزرع، وهي التي تواسي، وهي التي تمنح الحياة. ولذلك فإن لحظة اكتشافها أن «الأمل كان ينبع من داخلها» تأتي منطقية ومؤثرة، لأنها تعيد تفسير الرحلة كلها.
أما النهاية فهي الأكثر قسوة ومرارة



0 تعليقات