كيف يرجح الفقيه بين الأدلة ؟
سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟
بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
المقال الحادي عشر
قيد التقييم:
مقال صحفي معرفي يشرح منهج الترجيح عند الفقهاء بلغة ميسرة، وليس بحثًا أكاديميًا أو نصًا أدبيًا.
ليس أصعب على من يبحث عن حكم شرعي من أن يجد أمامه أكثر من دليل، ويبدو له أن كل واحد منها يقوده في اتجاه مختلف.
فماذا يفعل الفقيه؟
هل يختار النص الذي يميل إليه؟
هل يأخذ بالأيسر؟
هل يقدم ما اعتاده الناس؟
بالطبع لا.
لقد رأينا في المقال السابق أن الفقيه لا يسارع إلى القول بوجود تعارض، بل يبحث أولًا عن إمكانية الجمع بين الأدلة الثابتة، وقد خصصنا المقال العاشر لشرح ذلك.
لكن ماذا لو بحث ولم يجد طريقًا صحيحًا للجمع؟
هنا يبدأ طريق آخر:
الترجيح.
فما معنى أن يقول الفقيه: هذا الدليل أرجح من ذاك؟
الترجيح.. ليس اختيارًا بين رأيين
ببساطة، الترجيح هو أن ينظر الفقيه في دليلين يبدو أنه لا يمكن العمل بهما معًا في المسألة نفسها، ثم يبحث عن سبب علمي يجعل أحدهما أقوى من الآخر.
فهو لا يقول:
هذا ما أفضله.
بل يسأل:
ما الذي يجعل أحد الدليلين أقوى؟
وقد يكون السبب متعلقًا بثبوت الدليل، أو بوضوح معناه، أو بالقرائن التي تحيط به وتساعد على فهمه.
وهكذا لا يكون الترجيح قفزة إلى نتيجة، بل رحلة من الموازنة.
البداية من سؤال بسيط:
هل ثبت الدليل؟
قبل أن نقارن بين دليلين، علينا أن نسأل:
هل هما ثابتان أصلًا؟
فقد نجد حديثًا صحيحًا، وفي المقابل رواية ضعيفة لا تصلح للاحتجاج في الأحكام.
هنا لا توجد منافسة حقيقية بين دليلين.
فالحديث الضعيف لا يقف في مواجهة الحديث الصحيح ليقول الفقيه:
أيهما أختار؟
بل يسقط الضعيف من دائرة الاحتجاج، ويبقى الدليل الثابت.
وهذه خطوة مهمة؛ لأن القارئ قد يرى روايتين مختلفتين، فيظن أن المسألة أصبحت معقدة، بينما يبدأ العالم بسؤال أبسط من ذلك كله:
هل ثبت ما نقرأه أصلًا؟
وقد تكون الروايتان مقبولتين، لكن إحداهما أقوى من الأخرى من جهة النقل والثبوت، فيكون ذلك سببًا لتقديمها.
ليس المهم أن يثبت النص فقط.. بل ماذا يقول؟
لنفترض أن الدليلين ثابتان.
هل ينتهي الأمر هنا؟
ليس بالضرورة.
فقد يكون أحد النصين واضحًا ومباشرًا في الحكم، بينما يحتمل الآخر أكثر من معنى.
وهنا ينظر الفقيه إلى دلالة النص.
أي:
ماذا يفهم منه في هذه المسألة؟
فالنص الذي يقول الحكم بوضوح ليس كالنص الذي يمكن أن يحمل على أكثر من وجه.
ولهذا قد يقدم الفقيه النص الأوضح دلالة.
وهنا ندرك فرقًا مهمًا:
قد نتفق على صحة النص، ثم نختلف في فهم ما يدل عليه.
وقد رأينا بعض صور ذلك في المقالات السابقة.
أحيانًا لا يكفي أن نقرأ كلمة واحدة
النص لا يعيش منفصلًا عن سياقه.
فالآية لها سياقها، والحديث له قصته وسببه وما جاء قبله وما جاء بعده.
وقد تكون هناك نصوص أخرى تضيء المعنى وتكشف المقصود.
ولهذا لا يتعامل الفقيه مع كلمة مقتطعة من مكانها، ثم يبني عليها حكمًا.
بل ينظر إلى الصورة كاملة.
وقد يكون نصان متقاربي القوة، ثم يجد الفقيه في السياق أو في نصوص أخرى قرينة تجعل أحد المعنيين أقرب.
وهذا هو المقصود بالقرائن.
إنها ببساطة الأشياء التي تساعدنا على فهم النص بصورة أدق.
الدليل لا يقف وحده
وأحيانًا لا تكون قوة أحد الأقوال في دليل واحد، بل في مجموعة من الأدلة التي تتساند فيما بينها.
فقد تجد نصًا يحتمل أكثر من معنى، ثم تجد نصوصًا أخرى تميل به نحو معنى معين.
عندئذ لا ينظر الفقيه إلى كل دليل وكأنه يعيش وحده، بل يجمع الصورة أمامه، ثم يسأل:
إلى أي اتجاه تشير الأدلة مجتمعة؟
ولهذا قد يكون الترجيح أحيانًا نتيجة قوة دليل واحد، وقد يكون أحيانًا نتيجة اجتماع قرائن متعددة.
كمن ينظر إلى قطعة واحدة من الصورة فلا يرى إلا جزءًا محدودًا، ثم تتجمع القطع أمامه فتظهر الصورة أوضح.
فلماذا يختلف الفقهاء؟
هنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية.
إذا كان الترجيح قائمًا على قواعد، فلماذا لم يتفق الفقهاء دائمًا؟
لأن النظر في قوة الأدلة ليس دائمًا مسألة حسابية بسيطة.
فقد يرى فقيه أن وضوح نص معين هو أقوى ما في المسألة.
ويرى فقيه آخر أن مجموع الأدلة والقرائن يجعل النص المقابل أقوى.
كلاهما ينظر إلى الأدلة، لكن كلًا منهما قد يعطي وزنًا مختلفًا لبعض وجوه القوة.
ومن هنا يمكن أن يفهم القارئ شيئًا مهمًا عن اختلاف المذاهب:
ليس معنى اختلاف الفقهاء دائمًا أن أحدهم عرف النص والآخر جهله.
فقد يعرفان النصوص نفسها، ثم يختلفان في السؤال الأصعب:
أي هذه الأدلة أقوى في هذه المسألة؟
هذا هو الراجح..
ماذا تعني؟
نقرأ كثيرًا في كتب الفقه:
والراجح كذا.
وقد تمر العبارة أمام القارئ وكأنها تعني ببساطة:
هذا رأي المؤلف.
لكن وراء هذه الكلمة في حقيقتها رحلة من النظر والموازنة.
فحين يقول الفقيه:
هذا هو الراجح
فهو يعني أنه نظر في الأدلة، وقارن بين قوتها ودلالاتها والقرائن المحيطة بها، ثم انتهى إلى أن أحد الأقوال أقرب إلى الصواب عنده.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القول الآخر بلا دليل.
ولهذا قد يرجح فقيه قولًا، بينما يرجح آخر القول المقابل.
وهنا يبقى الخلاف داخل دائرة الاجتهاد ما دام قائمًا على نظر معتبر.
الترجيح.. بحث عن الأقرب لا ادعاء امتلاك الحقيقة
وهذه ربما أجمل ما نتعلمه من منهج الفقهاء.
فالفقيه الحقيقي لا يبدأ من النتيجة ثم يبحث عما يؤيدها.
ولا يجعل رأيه هو المعيار الذي توزن به النصوص.
بل يحاول أن يجعل النصوص هي التي تقوده.
ولهذا كانت كلمات مثل:
الراجح، والأظهر، والأقوى
تحمل في داخلها قدرًا من التواضع العلمي.
فهي لا تقول دائمًا:
هذا وحده هو الحق ولا احتمال لغيره.
بل تقول:
بعد ما ظهر لي من الأدلة، هذا أقرب إلى الصواب.
ومن هنا نفهم أن الترجيح ليس انتصارًا لرأي، بل محاولة صادقة للوصول إلى ما ترجح بالدليل.
كيف نقرأ الخلاف بعد ذلك؟
حين نقرأ مسألة اختلف فيها الفقهاء، يمكن أن نتوقف قليلًا قبل إصدار الأحكام.
بدل أن نسأل فقط:
من المصيب ومن المخطئ؟
يمكن أن نسأل أولًا:
ما الأدلة التي اعتمد عليها كل قول؟
وهل ثبتت؟
وإذا تعذر الجمع بينها، فما الذي جعل هذا الفقيه يقدم دليلًا على آخر؟
هل كانت قوة الثبوت؟
أم وضوح الدلالة؟
أم السياق؟
أم اجتماع الأدلة والقرائن؟
عندها لا نكتفي بمعرفة أن العلماء اختلفوا، بل نبدأ في فهم:
كيف ولماذا اختلفوا؟
وهذا هو أحد الأهداف الأساسية لهذه السلسلة.
من القاعدة إلى التطبيق
وهكذا، بعد التثبت من الأدلة، وبعد استنفاد محاولة الجمع بينها، يبدأ الفقيه في الموازنة.
لا بميزان الهوى، بل بميزان الدليل.
ينظر إلى قوة النص، ووضوح معناه، وما يحيط به من قرائن، ثم يصل إلى ما يراه أرجح.
وقد يصل فقيه آخر إلى نتيجة مختلفة، لا لأنه لم يحترم النص، بل لأنه رأى ميزان القوة بصورة مختلفة.
وهنا نكتشف أن وراء كلمة صغيرة مثل:
الراجح
عالمًا كاملًا من البحث والنظر والموازنة.
لكن القواعد النظرية، مهما كانت واضحة، تحتاج أحيانًا إلى أن نراها وهي تعمل أمامنا.
فكيف طبق الفقهاء قواعد الترجيح في مسائل حقيقية؟
وكيف يمكن لدليلين أن يبدوا متعارضين، ثم يرجح العلماء أحدهما على الآخر بأسباب واضحة؟
هذا ما ننتقل إليه في المقال القادم، حين نترك القاعدة المجردة ونقترب من نماذج تطبيقية تكشف للقارئ كيف يعمل الترجيح داخل الفقه الإسلامي.

0 تعليقات