السيد فريج يكتب يسرا و عيون الحق

 


يسرا وعيون الحق

(قصة من الواقع)




​بينما يستعد للذهاب إلى المسجد لصلاة الجمعة، تناديه زوجته بصوت ضعيف كأنها تستنجد به من أمر جلل قد فاجأها. يسرع إليها وقد سبقه الموت، فبكاها بحرقة، وتألم كثيراً لرحيلها بغير مرض ولا سابق إنذار.

​للحظات، يمر أمام عينيه شريط الذكريات لعمر طويل لم يسمع منها فيه غير طيب الكلام، ولم يرَ غير حسن العشرة لحياة زوجية مستقرة، كانت «سها» و«سمر» ثمرتها؛ إذ تزوجتا وهجرتا إلى أمريكا. حضرتا على عجل، ودعَت الأسرة الطيبة صاحبة الذوق الرفيع والقلب الرقيق فقيدتها إلى مثواها الأخير، وقد أخرس الحزن الألسنة، ولم تكن غير الدموع لغة للعيون.

​مرت الأيام ثقيلة بطيئة كئيبة، وحان وقت سفر سها وسمر برفقة أسرتيهما، وقد رجوتا والدهما كثيراً السفر معهما والإقامة بأمريكا، خاصة أن له بها تجارة ومقر إقامة دائم ويحمل جنسيتها، ولم يتبقَّ له في مصر غير أخ يقيم بالصعيد، والعلاقة بينهما ليست على ما يرام؛ فالأخ فقير يملأ قلبه الحقد على أخيه المهندس «أحمد» صاحب المال والأعمال الضخمة، وكان قد خاصمه على إثر رفض سها وسمر الزواج من ابنيه «حسن» و«حسين»، فصارت بينهما شبه قطيعة، وقد حضر الجنازة مع ابنيه ثم انصرف.

​رجاء الابنتين قوبل بالرفض من أبيهما، ومرت شهور والوحدة تكاد تفتك بالحاج أحمد، إلى يوم لم يكن في الحسبان؛ إذ لفتت نظره «يسرا» سكرتيرته الجميلة التي تصغره بثلاثين عاماً، ولم يكن يراها لغير موظفة لديه قبل ذلك. شغلته عامدة وانشغل بها رغم إرادته، وهو الذي يخاف الله ويخشى الحرام ولو كان نظرة. أعلن لها رغبته في الارتباط بها، وما تأخرت في ردها للحظة واحدة: "موافقة". اشترط عليها عدم الإنجاب، ولم تتردد بالموافقة أيضاً. عرض الأمر على ابنتيه فلم تمانعا، بل شجعتاه؛ فكم كنَّ مشغولات به.

​حققت له سعادة لم يكن يتوقعها وعاش أسعد أيام حياته، لكن دوام الحال من المحال؛ إذ بدأ مرض الزهايمر يتمكن منه، وكان قد عين يسرا رئيسة لمجلس إدارة مجموعة شركاته، فأدارتها بنجاح ساعدتها فيه علاقاتها الطيبة بابنتي زوجها اللتين كانتا تديران الأعمال بأمريكا.

​مرت أعوام والحال لم يتغير، ويزداد اهتمام يسرا برعاية زوجها متحملة مشقة العمل ومجهود إدارة المنزل دون كلل أو ملل، وحظيت بثقة سها وسمر وزوجيهما. ومضت الأعوام على ذات المنوال، وتحقيقاً لرغبة سمر، سافر الحاج إلى أمريكا في محاولة للعلاج بعد أن أعلن أحد العلماء عن اكتشاف دواء تحت التجربة لعلاج الزهايمر. ولشهور تدهورت حالة الحاج أكثر، فنصح الطبيب المعالج بإيقاف برنامج العلاج بعد أن بدأت صحته العامة في التدهور.

​لم تمضِ أيام على وصولهم للقاهرة حتى فوجئ الجميع بما لم يتوقعوه ولم يخطر ببال أحد ولو في الخيال: أخوكم «حسام»، رضيع جميل كأنه ملاك! والأغرب والأكثر مفاجأة أن تتقبل الابنتان الخبر بسعادة وشوق لأخ قد وهبهما الله إياه، بغير سؤال ولا استفسار.

​شاع الخبر وجاءت الكارثة من حيث لا يدرون؛ العم وابناه ثائرون مكذبون، بل أشهروا في وجه الفتاة الاتهام بأن هذا الطفل ليس ابن الحاج وأنها تمارس عملية نصب للاستيلاء على الميراث، يغلفون اتهامهم بعشرات الأسئلة: كيف ومتى؟ والطفل عمره شهور، والرجل قبل سفره لأمريكا كان شبه ميت، وقد مكث بها أكثر من ستة أشهر!

​هددوا برفع قضية إنكار نسب، يحركهم الطمع في مشاركة الابنتين الميراث، والحزن يسيطر على الجميع؛ فلو كان الأب بحالته لما تجرأ هؤلاء. وصار ما هددوا به واقعاً، وبين قلق الابنتين وخوفهما من الفضيحة لرجل ذي قيمة وقامة بين أقرانه وشركائه والعاملين معه، وفقدان أخ يتمنيان وجوده وفرحتا به، ساومتا عمهما ليأخذ ما يريد ويزهد عما يهدد به، غير أن يسرا رفضت ذلك بشدة، وبكل قوة وجرأة طردت الرجل وابنيه وهددتهم بإبلاغ الشرطة، فانصرفوا بين ذهول الجميع من موقفها.

​وفي المحكمة كان اللقاء؛ يسرا تدفع عن نفسها الاتهام بكل قوة صارخة في وجه الجميع:

​«حسام أحمد الصاوي ابني وابن أبيه من صلبه!»

​ومحامي العم يسألها بحدة ملفوفة بسخرية: «كيف؟ والمهندس أحمد كان مريضاً يصارع الموت لشهور قبل سفره لأمريكا التي قضى بها أكثر من ستة أشهر؟»

​ترده يسرا بقوة الواثق من نفسه، موجهة كلامها للمنصة:

​«عدالة القاضي، الأمر لا يحتمل المناقشة والإهانة؛ فحسام موجود وأبوه على قيد الحياة أدعو الله أن يطيل عمره، والطب يحسم الأمر. إني أطلب من عدالتكم الأمر بإجراء تحليل الـ DNA لإثبات صحة نسب حسام وتبرئتي من هذا الاتهام الباطل.»

​أمر القاضي بما طلبت، وأتت النتائج لتؤكد صحة موقفها. أمر القاضي بجلسة سرية، وفيها سأل يسرا: «كيف؟ والتقارير الطبية تؤكد استحالة المعاشرة الزوجية لظروف المهندس أحمد المرضية لأكثر من عام مضى؟»

​أجابت يسرا:

​«سيدي القاضي، الأمر ليس سراً أخفيه، ولا عيباً أخجل منه، ولا معصية أخشاها. سيدي.. تزوجتُ أحمد منذ أكثر من خمسة أعوام وكان بكامل صحته وحيويته، وكان شرطه عدم الإنجاب ووافقته بكامل إرادتي؛ فقد كنت أحبه حباً جماً ملك عليّ حياتي وجعلني أسعد إنسانة في الدنيا. لكن كان يمزق قلبي حلم الأمومة كأي فتاة، إلى يوم قرأت تحليلاً علمياً مشفوعاً برأي الدين الذي لم يؤثمه بشروط، عن بنوك تجميد السائل المنوي (Sperm Freezing) وعمليات الحقن المجهري. تدارست الفكرة مع طبيب زوجي وهو عالم ورجل طيب يحب زوجي كثيراً ويعاملني كإحدى بناته، وبعد محاولات اقتنع بحجتي وساعدني في القيام بذلك. وبعد أعوام، ولما اشتد المرض بأحمد، قررت إجراء عملية الحقن المجهري ونجحت والحمد لله، وكان ثمرتها حسام.»

​بكت سها بحرقة من موقف عم حسام وابنيه، وقدمت للمحكمة كافة أوراق الثبوت ورأي المرجعية الدينية في مشروعية العملية. وبعد المداولة وسماع الأطباء الشهود، حكمت المحكمة برفض الدعوى وصحة نسب حسام لأبيه أحمد أحمد الصاوي.

​بين السعادة والفرحة، والدهشة من شقيقتي حسام بما فكرت فيه وأقدمت عليه يسرا، كانت يسرا واقفة تنظر بحدة لعم حسام وابنيه الذين ذهبوا بحسرتهم غير مصدقين أنهم قد خسروا كل شيء.

​عاد الطيبون للقصر ليكمل القدر القصة، وكانت سهام الموت قد سبقتهم جميعاً لقلب أحمد الذي توقف عن الحياة.. لتبدأ وقائع قضية أخرى!


السيد فريج


إرسال تعليق

0 تعليقات