سلسلة معركة الوعي ج 5
الوعي و النهضة: الدرس الأفغاني, و الامتداد الرشيدي
بقلم الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة: الوعي شرط النهوض، لا ترف المفكرين:
لم تكن النهضة في فكر رواد الإصلاح الإسلامي حدثًا عارضًا، أو طفرة تاريخية، بل كانت ثمرة وعيٍ عميقٍ بسنن التاريخ، وأمراض الواقع، وموازين القوة، وحقيقة الصراع بين الأمم. فالنهضة لا تبدأ من وفرة المال، ولا من امتلاك السلاح، بل من يقظة العقل، واستعادة الوعي، وبناء الإنسان القادر على الفهم والمقاومة والتغيير.
ومن هنا جاءت معركة الوعي بوصفها المعركة الأولى، التي إن كُسبت مهدت الطريق لكل نهضة حقيقية. وقد مثّل جمال الدين الأفغاني نقطة الانطلاق الفكرية في إيقاظ هذا الوعي، بينما جاء محمد رشيد رضا ليحوّل هذا الوعي من صدمة فكرية إلى مشروع إصلاحي ممتد، يجمع بين الفكر والدعوة، وبين السياسة والتربية.
أولًا: الوعي في مدرسة جمال الدين الأفغاني ، وعي الصدمة والإيقاظ:
جاء الأفغاني في زمنٍ كانت فيه الأمة الإسلامية تعيش حالة من الانبهار بالغرب، والاستسلام للاستعمار، والجمود الفكري، والخضوع للاستبداد. فكان همه الأول: كسر حالة الغفلة.
1. الوعي السياسي:
ركّز الأفغاني على أن الاستعمار ليس قدرًا، بل نتيجة لضعف داخلي، وأن الطغيان الداخلي والاستبداد هما الحليف الأخطر للاستعمار الخارجي. فكان يقول إن الأمة التي لا تملك إرادتها السياسية لا يمكن أن تحافظ على دينها ولا كرامتها.
لقد أعاد الأفغاني تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، مؤكدًا أن الإسلام دينٌ يصنع الوعي السياسي، ويحرر الإنسان من الخضوع لغير الله.
2. الوعي العقلي:
حارب الأفغاني الجمود والتقليد الأعمى، ودعا إلى إحياء العقل المسلم، معتبرًا أن تعطيل العقل هو أول أبواب الانحطاط. وكان يؤكد أن الإسلام لا يعادي العقل، بل يجعله أداة الفهم والتكليف.
وقد شكّل هذا الطرح صدمة فكرية في زمن ساد فيه الخوف من التفكير، فكان الأفغاني رائد إيقاظ العقل المقاوم.
3. الوعي الحضاري:
ربط الأفغاني بين سقوط الأمة وتخلفها الحضاري، وبين فقدانها الثقة بذاتها. فدعا إلى استعادة الشعور بالعزة الحضارية، دون انبهار أو قطيعة، بل وعي نقدي يميز بين الأخذ والذوبان.
ثانيًا: من الوعي إلى النهضة،الحاجة إلى الامتداد:
على عظمة الدور الأفغاني، إلا أن مشروعه كان أقرب إلى ثورة فكرية منه إلى بناء مؤسسي طويل النفس. وهنا جاءت عبقرية محمد رشيد رضا، الذي أدرك أن الوعي إذا لم يتحول إلى مشروع تربوي وإصلاحي مستمر، سيتبدد أثره مع الزمن.
ثالثًا: محمد رشيد رضا – من إيقاظ الوعي إلى هندسة النهضة:
يمثل رشيد رضا الامتداد العملي والمنهجي للدرس الأفغاني، حيث نقل معركة الوعي من ساحات الخطاب الثوري إلى مساحات البناء والإصلاح.
1. الوعي الإصلاحي المنهجي:
عمل رشيد رضا على ترسيخ الوعي عبر:
الصحافة الواعية "مجلة المنار".
تفسير القرآن تفسيرًا إصلاحيًا حضاريًا
ربط النص بالواقع، والدين بالحياة
فلم يكن الوعي عنده صرخة، بل منهج حياة.
2. الوعي الشرعي المتجدد:
أعاد رشيد رضا الاعتبار للاجتهاد المنضبط، فحارب الجمود دون تفلت، ودعا إلى فهم مقاصدي للنصوص، يوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويجعل الشريعة قادرة على قيادة الحياة الحديثة.
3. الوعي التربوي:
أدرك رشيد رضا أن النهضة لا تصنعها الخطب وحدها، بل تصنعها الأجيال. فركز على التربية، وبناء الشخصية المسلمة الواعية، القادرة على الجمع بين الإيمان والعمل، والعقيدة والنهضة.
رابعًا: الوعي والنهضة ، معادلة التغيير
من خلال المدرستين، تتجلى معادلة واضحة:
الأفغاني: أيقظ الوعي ،وكسر جدار الصمت.
رشيد رضا: نظّم الوعي وبناه واستثمره في مشروع إصلاحي.
فالنهضة لا تقوم:
بوعي بلا تنظيم
ولا بتنظيم بلا وعي
ولا بدينٍ معزول عن الواقع
ولا بواقعٍ منقطع عن القيم
خامسًا: الدرس المستفاد للأمة اليوم:
في زمن تتجدد فيه أدوات السيطرة، وتُخاض الحروب على العقول قبل الأوطان، يصبح استحضار هذا النموذج ضرورة لا ترفًا:
نحتاج وعيًا أفغانيًا يوقظ الأمة من سباتها
ونحتاج منهجًا رشيديًا يحوّل الوعي إلى بناء ونهضة
ونحتاج قيادة فكرية تجمع بين الجرأة والحكمة، وبين الصدمة والبناء
خاتمة: معركة الوعي مستمرة:
إن معركة الوعي لم تنتهِ، بل تغيرت أدواتها. وما لم تستعد الأمة وعيها بذاتها، ودينها، ورسالتها، فستبقى تدور في حلقة الضعف، مهما امتلكت من موارد.
لقد علّمنا الأفغاني كيف نصرخ في وجه الغفلة، وعلّمنا رشيد رضا كيف نحول الصرخة إلى مشروع. وبين الصرخة ،والمشروع تولد النهضة.

0 تعليقات