المقال (19) من سلسلة: نهضة الأمة"
الغني بلا شكر… طريق الانهيار الحضاري"
دروس حضارية من قصص سورة الكهف"
مقدمة:
لا تُقاس نهضة الأمم بما تملك من ثروات، بل بمنهجها في التعامل مع النعمة. فحين ينفصل الغنى عن الشكر، ويتحول المال من أمانةٍ إلى وسيلة غرور، يبدأ الانحدار الحضاري. وتأتي سورة الكهف لتضع هذا الميزان القرآني الدقيق، من خلال قصةٍ خالدةٍ تُجسّد سنن الله في النعم والابتلاء.
أولًا: الغنى ابتلاء لا تشريف
يقرر القرآن قاعدة كلية في فهم النعم والشدائد:﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35].
فالغنى ليس دليل رضا، بل ميدان اختبار: هل يقود إلى شكرٍ وبناء، أم إلى كفرانٍ وهدم؟.
ثانيًا: صاحب الجنتين… نموذج الغني بلا شكر:
تعرض سورة الكهف نموذجًا واقعيًا لانحراف الغنى حين يُفصل عن القيم:
﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ…﴾، [الكهف: 32].
نِعَمٌ وافرة، ورزق متدفق، لكن القلب امتلأ إعجابًا بنفسه، فكان قوله:
﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 36]
هنا مكمن الخطر الحضاري: نسيان المنعم، والأمن من زوال النعمة.
ثالثًا: صوت الحكمة الغائب:
يقف المؤمن الناصح ليذكّره بأصل القيم:
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ…﴾، [الكهف: 37]
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]
إنها دعوة صريحة لربط الغنى بالشكر، والتملك بالتواضع، والقوة بالله.
رابعًا: لحظة الانهيار… سنّة لا تتخلف
حين غاب الشكر، جاءت النهاية المفاجئة:
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾، [الكهف: 42]
هكذا تسقط النعم حين تُجرد من قيمها، وتسقط الحضارات حين يغيب شكرها.
خامسًا: الشكر… ضمان الاستمرار الحضاري
يربط القرآن بقاء النعم واستمرارها بالشكر:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
والزيادة هنا ليست مالًا فقط، بل بركة، وأمنًا، واستقرارًا، ودوامًا حضاريًا.
سادسًا: دلالات حضارية معاصرة:
تعلّمنا قصة صاحب الجنتين أن:
المال بلا شكر يولّد الاستعلاء الطبقي.
الغنى بلا قيم يقود إلى فساد اقتصادي.
وفرة الموارد مع غياب الإيمان تُنتج سقوطًا أخلاقيًا واجتماعيًا.
وهي ذاتها الأسباب التي تُعجّل بانهيار الأمم اليوم.
خاتمة:
إن سورة الكهف لا تحكي قصة ماضٍ، بل ترسم خريطة سننٍ حضارية.
فالغنى إذا لم يُضبط بالشكر، تحوّل إلى نقمة،
وإذا ارتبط بالإيمان ،والمسؤولية، صار رافعة نهضة وبقاء.
رسالة :
أمةٌ تشكر وإن قلّ مالها أقرب إلى النهوض،
وأمةٌ تنسى وإن كثُر مالها أقرب إلى السقوط.

0 تعليقات