عشرةُ المغفرة حين يلين القلب بين يدي السماء
بقلم جمال الشندويلي
و تمضي الأيام العشر الأولى من رمضان كأنها مقدمة نورٍ لكتابٍ سماوي ندخل العشر الثانية وقد هدأت الجوارح قليلًا وخفَّ صخبُ الحياة وبدأ القلب يسمع صوته الداخلي بوضوح هنا تبدأ عشرةُ المغفرة المساحة التي يمنحها الله لعباده ليعودوا أخفَّ مما كانوا وأنقى مما ظنوا المغفرة ليست وعدًا مؤجلًا بل إحساسٌ فوريٌّ بأنك لست وحدك في معركتك مع نفسك أن تشعر أن هناك بابًا مفتوحًا مهما أثقلتْك العثرات وأن يدًا رحيمةً تمتد لتنتشلك من ظلال الخطأ إلى فسحة العفو في هذه الأيام، لا يُقاس الناس بكثرة أعمالهم فقط بل بصدق انكسارهم وبدمعةٍ صادقةٍ في جوف الليل تقول يا رب في عشرة المغفرة تتبدّل المعايير
الضعف يتحول إلى قوةٍ حين يُعترف به والذنب يصبح بدايةَ طريقٍ حين يُستغفر منه والقلب القاسي يلين حين يدرك أنه محتاج هي دعوة لمراجعة الذات لا بجلدها بل بمداواتها أن نجلس مع أرواحنا جلسة مصارحة نبحث في زواياها المعتمة وننفض عنها غبار العام كم من كلمةٍ جارحةٍ قيلت وكم من حقٍّ أُهمل وكم من لحظة قربٍ ضاعت في زحام الدنيا عشرة المغفرة تفتح لنا نافذة إصلاح فنستعيد ما استطعنا ونعاهد الله على ما عجزنا عنه
والمغفرة ليست علاقةً رأسيةً بين العبد وربه فحسب بل أفقٌ واسعٌ بين البشر أن تغفر لمن أساء، لا لأنك ضعيف بل لأنك أقوى من أن يحمل قلبك حقدًا أن تترك خلفك أثقال الخصام وتمضي بروحٍ خفيفةٍ تعرف أن الله يحب العافين عن الناس
في هذه الأيام يرتفع صوت الاستغفار كأنّه نشيدٌ جماعيٌّ للأرواح التائبة تتردد الكلمات على الألسن لكنها في حقيقتها رحلةٌ داخليةٌ عميقة من ظلمة الشعور بالذنب إلى نور الرجاء من ضيق الصدر إلى سَعته عشرة المغفرة هي منتصف الطريق في رمضان لكنها قد تكون بداية الطريق في الحياة فمن خرج منها بقلبٍ أصفى ونيةٍ أصلح وعزمٍ أقوى فقد أدرك جوهرها
اللهم اجعل لنا في عشرة المغفرة نصيبًا من عفوك وصفحةً جديدةً في كتاب أعمارنا وطمأنينةً تسكن قلوبنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا

0 تعليقات