بقلم/محمد مصطفى كامل.
من قلب المعركة
… حيث لا تكون القضية حدثًا فقط، بل من يروي الحدث.
التاريخ بين المنتصر والمهزوم
من يملك حق الحكاية؟
يقال دائمًا: التاريخ يكتبه المنتصرون.
لكن… هل هذه العبارة حقيقة مطلقة؟ أم نصف حقيقة؟
حين تنتهي الحروب، يصمت السلاح…
لكن تبدأ معركة أخرى أخطر: معركة الرواية.
المنتصر يملك المنبر
المنتصر غالبًا يملك:
السلطة
أدوات التدوين
المؤسسات
القدرة على نشر روايته
في كثير من العصور، كانت البلاطات الحاكمة هي التي ترعى المؤرخين. ومن الطبيعي أن تميل بعض الأقلام إلى تمجيد السلطان، أو تبرير قراراته، أو تصوير خصومه في صورة العدو المطلق.
ليس لأن كل مؤرخ مأجور…
بل لأن البيئة السياسية تفرض ظلها على الكتابة.
لكن المهزوم لا يختفي
على الجانب الآخر، لا يموت صوت المهزوم دائمًا.
أحيانًا يبقى في:
رسائل خاصة
مذكرات شخصية
روايات شعبية
شهادات خارجية
خذ مثلًا ما كتبه عبد الرحمن الجبرتي عن دخول الفرنسيين مصر.
لم يكن منتصرًا عسكريًا، لكنه كان شاهدًا حيًا نقل رؤية المجتمع المحلي، فبقي صوته شاهدًا على مرحلة حاسمة.
هل المنتصر دائمًا مخطئ؟
ليس بالضرورة.
المنتصر قد يملك وثائق أكثر دقة، وتنظيمًا أفضل للأرشيف، وإمكانية أوسع للتوثيق.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الرواية إلى أداة دعاية.
هنا يصبح التاريخ بيانًا سياسيًا لا سجلًا إنسانيًا.
الحقيقة بين الروايتين
حين نقارن بين الروايات المختلفة، نكتشف أن:
المنتصر يبالغ في إنجازاته.
المهزوم يبالغ في مظلوميته.
والناس العاديون غالبًا يدفعون الثمن في صمت.
مهمة القارئ الواعي أن يبحث عن منطقة التقاطع…
حيث تتلاقى الشهادات، وتتوازن الروايات.
محاكمة فكرية
تخيّل أنك قاضٍ في محكمة التاريخ
أمامك روايتان متناقضتان:
كل طرف يدّعي الحقيقة الكاملة.
هل تصدر حكمك من شهادة واحدة؟
أم تطلب الأدلة، وتقارن السياقات، وتبحث في الدوافع؟
التاريخ يحتاج قارئًا يحاكم النصوص… لا يسلّم لها.
لماذا يهمنا هذا اليوم؟
لأن الصراع على الرواية لم ينتهِ.
وسائل الإعلام الحديثة، والكتب، والأفلام، كلها تشارك في إعادة تشكيل الوعي بالماضي.
ومن لا يملك وعيًا نقديًا، قد يجد نفسه يدافع عن قصة لم يفحصها.
انتظرونا في المقال القادم باذن الله،

0 تعليقات