لماذا أصبحنا أكثر وحدة رغم أننا أكثر اتصالًا؟
بقلم السعيدجابر 🇪🇬
لم نكن نملك في الماضي كل هذه الوسائل التي تسمح لنا بالوصول إلى بعضنا في لحظة واحدة، ومع ذلك كان الإنسان يعرف كيف يطرق باب جاره، وكيف يجلس إلى جوار صديقه، وكيف يسأل عن غائب دون أن يحتاج إلى شاشة.
اليوم نستطيع أن نصل إلى أي شخص تقريبًا في ثوانٍ، نعرف أين ذهب، ماذا أكل، ماذا اشترى، ماذا كتب، وماذا يفعل في هذه اللحظة... ومع ذلك، ربما لم نكن يومًا بهذا القدر من الوحدة.
المفارقة المؤلمة أن التكنولوجيا قرّبت المسافات، لكنها لم تضمن القرب.
أصبح لدينا مئات الأصدقاء على مواقع التواصل، وآلاف المتابعين، ومجموعات لا تنتهي للمحادثات، وإشعارات لا تهدأ، لكن عندما تضيق بنا الدنيا، نكتشف أن قائمة الأسماء الطويلة قد لا تحتوي على شخص واحد نستطيع أن نقول له: "أنا تعبان" دون أن نخشى أن يُساء فهمنا.
نحن لا نعاني من نقص في التواصل.
نحن نعاني من نقص في العلاقات الحقيقية.
لقد تحول التواصل عند كثيرين منّا إلى أداء اجتماعي أكثر منه مشاركة إنسانية. نكتب "الحمد لله" ونحن لسنا بخير، ونضع صورة مبتسمة في أكثر الأيام ثقلًا، ونبارك للآخرين بينما نقارن حياتنا بحياتهم في صمت.
صرنا نعرض حياتنا بدلًا من أن نعيشها.
نصور اللحظة قبل أن نشعر بها، ونفكر في شكل الذكرى قبل أن نصنع الذكرى نفسها.
حتى الحزن أصبح له جمهور، والفرح أصبح له جمهور، والنجاح أصبح محتاجًا إلى إثبات، وكأن الإنسان لم يعد يكفيه أن يكون سعيدًا، بل أصبح مطالبًا بأن يُثبت للآخرين أنه سعيد.
وهنا تبدأ واحدة من أخطر أزمات عصرنا:
أن الإنسان أصبح محاطًا بالناس، لكنه غير مرئي.
قد يجلس أربعة أشخاص على مائدة واحدة، وكل واحد منهم في عالم مختلف داخل هاتفه.
قد تجتمع الأسرة في غرفة واحدة، بينما يعيش كل فرد منها حياة كاملة على شاشة منفصلة.
وقد يمر يوم كامل دون أن ينظر إنسان إلى عين إنسان آخر ويسأله بصدق:
"إنت كويس بجد؟"
ليست المشكلة في الهاتف.
وليست المشكلة في الإنترنت.
وليست المشكلة في مواقع التواصل وحدها.
المشكلة أعمق من ذلك.
المشكلة أننا بدأنا نستبدل العلاقة بـ التفاعل.
والفرق بينهما هائل.
التفاعل قد يكون إعجابًا، تعليقًا، مشاركة، أو رسالة سريعة.
أما العلاقة فتحتاج وقتًا، واهتمامًا، وصبرًا، واختلافًا، واحتواءً، وحضورًا حقيقيًا.
التفاعل لا يطلب منك أن تتحمل مزاج شخص آخر.
أما العلاقة فتجعلك موجودًا حتى عندما لا يكون الطرف الآخر في أفضل حالاته.
التفاعل سريع.
أما الإنسان، فليس سريعًا.
لهذا ربما أصبحنا أكثر وحدة؛ لأن العالم الحديث يريد كل شيء سريعًا، بينما المشاعر الإنسانية لا تعمل بهذه الطريقة.
نحن نريد صداقة بلا خلاف، وحبًا بلا مسؤولية، ونجاحًا بلا انتظار، واهتمامًا بلا التزام.
نريد الناس عندما يكونون ممتعين، وننسحب عندما يصبحون مثقلين.
نحب الصورة الجميلة من الإنسان، لكننا لا نعرف ماذا نفعل بإنسانه الحقيقي.
وهنا تكمن المأساة.
أن الإنسان المعاصر أصبح يخشى أن يظهر على حقيقته.
يخشى أن يقول إنه خائف.
يخشى أن يعترف بأنه فشل.
يخشى أن يقول إنه يحتاج إلى أحد.
يخشى حتى أن يعترف بأنه وحيد.
لأننا صنعنا مجتمعًا يكافئ الصورة القوية، ويخجل من الضعف.
فصار البعض يتظاهر بأنه بخير حتى أمام أقرب الناس إليه.
لكن الوحدة لا تبدأ عندما يجلس الإنسان وحده.
الوحدة تبدأ عندما يشعر أنه لا يستطيع أن يكون نفسه أمام أحد.
وهذه أخطر بكثير.
أن تكون وسط الناس ولا تجد مكانًا آمنًا لقلبك.
أن تتحدث طوال اليوم ولا تقول ما بداخلك.
أن يراك الجميع ولا يراك أحد.
أن يعرف الناس اسمك، وعملك، وصورتك، وآخر ما نشرته، بينما لا يعرف أحد ما الذي يؤلمك.
هذه ليست مجرد وحدة اجتماعية.
إنها وحدة داخلية.
والمشكلة أن هذه الوحدة لا تُرى.
فلا توجد لها ملامح واضحة، ولا يكتشفها الناس بسهولة.
قد تراها في شخص يضحك كثيرًا.
وقد تراها في شخص لا يتوقف عن الحديث.
وقد تراها في شخص دائم الانشغال.
وقد تراها في شخص يملأ يومه بالناس والضوضاء حتى لا يسمع صوت نفسه.
نحن أحيانًا لا نهرب من الوحدة إلى الناس.
نحن نهرب من أنفسنا إلى الناس.
ولهذا، كلما انتهى الضجيج، عادت الوحدة.
عندما تغلق الهاتف.
عندما تنتهي المحادثات.
عندما ينتهي اليوم.
عندما تضع رأسك على الوسادة.
هناك، لا تستطيع الإشعارات أن تنقذك.
هناك، يعود السؤال القديم:
هل هناك شخص يعرفني حقًا؟
ربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من المتابعين.
ربما نحتاج إلى مزيد من الأصدقاء.
لا نحتاج إلى مزيد من التعليقات.
نحتاج إلى مزيد من الزيارات.
لا نحتاج إلى قلوب إلكترونية أكثر.
نحتاج إلى قلب بشري يبقى معنا عندما تسقط كل الصور الجميلة.
نحتاج إلى أن نعيد اكتشاف قيمة الجلوس بلا هاتف، والحديث بلا تصوير، والضحك بلا نشر، والاعتذار بلا منشور، والاهتمام الذي لا يحتاج إلى جمهور.
نحتاج أن نتذكر أن أجمل العلاقات الإنسانية لم تبدأ برسالة إلكترونية، ولم تستمر بسبب عدد الإعجابات.
استمرت لأن إنسانًا قرر أن يكون حاضرًا.
حاضرًا فعلًا.
في زمن يستطيع فيه العالم كله أن يرسل لك رسالة، تصبح الرسالة الحقيقية هي أن يأتي أحدهم إليك عندما تحتاجه.
وفي زمن يستطيع فيه الجميع أن يضغط زر "أعجبني"، تصبح المحبة الحقيقية هي أن يتحمل أحدهم الأيام التي لا تكون فيها محبوبًا ولا ممتعًا ولا قويًا.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر قسوة من عنوان هذا المقال:
هل نحن فعلًا أكثر اتصالًا... أم أننا فقط أصبحنا أكثر قدرة على الوصول إلى بعضنا، وأقل قدرة على الوصول إلى قلوب بعضنا؟
الفرق بين الأمرين هو الفرق بين أن يكون الإنسان محاطًا بالبشر، وأن يكون لديه إنسان واحد يستطيع أن يسند رأسه إليه دون خوف.
لقد ربطنا العالم كله ببعضه.
لكن التحدي الحقيقي الآن ليس أن نصل إلى بعضنا.
التحدي أن نعود إلى بعضنا.
أن نعود إلى الإنسان قبل الشاشة، وإلى الحوار قبل التعليق، وإلى الصداقة قبل المتابعة، وإلى العائلة قبل الإشعار.
فربما لم تكن مشكلتنا يومًا



0 تعليقات