لكل إنسان معركة لا نراها
بقلم الإعلامي: سعد غنيم مصر
قد تقابل إنسانا قليل الكلام، فتظن أنه مغرور. وتتحدث إلى آخر فلا ينتبه لكل ما تقوله، فتتهمه بأنه لا يهتم بك. وتتصل بصديق فلا يرد، أو ترسل إليه رسالة ويتأخر في الإجابة، فتقول لنفسك: لقد تغير.
لكن هل نعرف ما الذي يمر به هؤلاء؟ هل نعرف كيف قضوا ليلتهم، أو ما الخبر الذي وصل إليهم، أو ما الذي يشغل عقولهم وهم يجلسون أمامنا؟
نحن نرى تصرفات الناس، لكننا لا نرى دائما الأسباب التي تقف وراءها. وقد نحكم على إنسان من لحظة، بينما هو يحمل في قلبه حكاية طويلة لم يخبر بها أحدا.
فهذا الذي تراه صامتا، ربما ينتظر نتيجة فحص لشخص يحبه، ويخاف أن يرن هاتفه بخبر لا يحتمله. والذي يبدو لك مشتتا، ربما يحاول أن يجد حلا لمشكلة في بيته أو عمله. وصديقك الذي تأخر في الرد، ربما فتح رسالتك أكثر من مرة، وأراد أن يجيبك، لكنه لم يجد في نفسه القدرة على الكلام.
هناك أوقات يجلس فيها الإنسان بين الناس، ويسمع أصواتهم، لكن عقله يظل مشغولا بأمر آخر. يحاول أن ينتبه، ثم يجد نفسه قد فقد جزءا من الحديث
يسأله أحدهم سؤالا فيطلب منه أن يعيده، أو يجيب إجابة لا تناسب ما قيل. وقد يحرجه ذلك، لكنه لا يعرف كيف يشرح ما يحدث بداخله.
وربما يبتسم حتى لا يلفت الأنظار، ويقول إنه بخير حتى لا تبدأ الأسئلة، بينما هو في حاجة إلى بعض الهدوء، وإلى وقت يستوعب فيه ما يمر به.
والأصعب أن بعض ما يؤلمنا لا نستطيع الحديث عنه بسهولة. قد تكون هناك أمور تخص أشخاصا نحبهم ونريد أن نحفظ خصوصيتهم، أو مخاوف لم تتضح بعد، أو مشكلة لا نعرف من أين نبدأ في شرحها. وأحيانا يعجز الإنسان عن وصف شعوره حتى لنفسه، فكيف يطلب منه أن يفسره لكل من يقابله؟
قد يريد أن يتكلم، ثم يتراجع خوفا من أن يساء فهمه. وقد يكون قد حاول من قبل، فوجد من يستهين بتعبه، أو يقاطعه بنصيحة قبل أن يسمعه، فيختار الصمت هذه المرة.
لهذا، فإن الصمت لا يعني دائما الغرور، وقلة التركيز لا تعني بالضرورة قلة الاهتمام، وتأخر الرد لا يكفي وحده لنحكم بأن المحبة قد انتهت.
نحن أيضا مررنا بأيام لم نكن فيها على طبيعتنا. أيام كان يضيق فيها صدرنا من سؤال بسيط، أو نعجز فيها عن مجاملة اعتدنا أن نقولها، أو نحتاج فيها إلى الابتعاد قليلا حتى نستعيد هدوءنا. وفي تلك الأيام، كم تمنينا أن يفهمنا من حولنا، وألا يحاسبونا على كل كلمة أو لحظة شرود.
فلماذا لا نعطي غيرنا بعض ما احتجنا إليه نحن؟
قبل أن تقول لصديقك: أنت تغيرت، جرب أن تسأله: هل أنت بخير؟ وقبل أن تلوم قريبا لأنه لم يتصل، اطمئن عليه. وإذا وجدت شخصا شاردا، فلا تحرجه أمام الآخرين، ولا تجعله مضطرا إلى اختراع عذر حتى ينجو من اللوم.
قد تقول له بهدوء: أشعر أن هناك ما يشغلك، وأنا موجود إذا أحببت أن تتكلم. ثم تترك له حرية الكلام أو الصمت. فالاهتمام لا يحتاج إلى إلحاح
والمحبة لا تشترط أن نعرف كل التفاصيل.
وقد يكون بيننا خلاف يستحق العتاب، أو تصرف يحتاج إلى توضيح. من حقنا أن نسأل ونتكلم عما يضايقنا، لكن يمكن أن نفعل ذلك برفق، وأن نسمع الإجابة قبل أن نصدر الحكم
فربما يكشف حوار هادئ أن ما فهمناه تجاهلا كان تعبا، وأن المسافة التي أحزنتنا لم تكن مقصودة.
هناك أشخاص يخرجون إلى أعمالهم كل صباح، ويؤدون مسؤولياتهم، ويتعاملون مع الجميع بأدب، وهم يحملون أعباء لا يعرفها أقرب الناس إليهم. وقد تجعلهم كلمة قاسية يشعرون بأنهم مطالبون بالدفاع عن أنفسهم في وقت لم تعد لديهم فيه طاقة لمواجهة جديدة.
وفي المقابل، قد تمنحهم كلمة طيبة راحة يحتاجون إليها. أن يشعر الإنسان بأن مكانته محفوظة، حتى حين يقل كلامه، وأن هناك من يسأل عنه بمحبة، دون أن يطالبه بشرح كل ما يؤلمه.
لكل إنسان معركة لا نراها، وتعب قد لا يظهر على وجهه، وأمور يحاول أن يتجاوزها بصبر.
فلنتمهل قليلا في أحكامنا، ولنترك في تعاملنا مساحة للعذر والسؤال والرحمة.
فأنت لا تعرف ما الذي احتمله من أمامك قبل أن يصل إليك، ولا تعرف مقدار الجهد الذي بذله ليكمل يومه بشكل عادي.
ليس ضروريا أن تعرف حكاية الإنسان كلها حتى ترفق به. يكفي أن تتذكر أن وراء صمته شيئا قد لا تعرفه، وأن تسأله من قلبك: كيف حالك؟ ثم تمنحه الوقت لتسمع الإجابة.




0 تعليقات