الأديب سيد عبدالله و قراءة نقدية في نص «دع النار» للشاعرة مرفت صابر

 

الأديب سيد عبدالله و قراءة نقدية في نص «دع النار»




للشاعرة: ميرفت صابر


النص لا يطلب من القارئ أن يشعل نارًا، وإنما يطلب منه أن يكتشف النار التي بداخله.


منذ العنوان: «دع النار»، تبدأ الشاعرة في تفكيك علاقة الإنسان بما يخشاه. فالنار هنا ليست رمزًا للدمار، بل طاقة كامنة؛ قد تكون حبًا، أو موهبة، أو رغبة في الحياة، أو تمردًا على الاستسلام.


«دعِ النار تحلقْ في قلب السماء»


هنا ترتفع النار من كونها عنصرًا أرضيًا إلى كائن يحلق. وهذه مفارقة جميلة؛ فالشاعرة تمنح النار أجنحة، وكأنها تقول إن الشغف الحقيقي لا ينبغي أن يبقى حبيس الصدر، بل عليه أن يرتفع حتى يصبح مرئيًا.


ثم تأتي:


«أطلقْ لها العنان / لتدفئ روحك»


وهنا ينكشف أول سر في النص:

النار التي يخاف منها الإنسان قد تكون هي نفسها التي تنقذه من البرودة الداخلية.


فالبرودة في النص ليست برودة الجسد، وإنما برودة الروح؛ ذلك الخمود الذي يصيب الإنسان حين يتوقف عن الحلم والحب والإبداع.


أما:


«واحجبْ مخاوفك / افتحْ أبوابَك / والتحمْ مع النار»


فهي دعوة إلى المصالحة مع الذات. فالشاعرة لا تقول: اقترب من النار بحذر، وإنما تقول: التحم بها.


وهذه كلمة شديدة الدلالة؛ لأن الالتحام بالنار يعني قبول التجربة بكل ما فيها من ألم ووهج، وعدم محاولة عيش حياة آمنة تمامًا بلا شغف.


ثم تأتي:


«واخلقْ ملحمة / تضيءُ العالمَ داخلك»


فالملحمة ليست خارج الإنسان، وإنما تُخلق داخله أولًا.


وهنا يتحول النص من خطاب عاطفي إلى خطاب إبداعي؛ وكأن النار أصبحت رمزًا للموهبة التي لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل وإبداع.


أما استدعاء:


«نارَ الخليل / هي بردًا وسلامًا»


فهو مفتاح مهم لفهم النص كله.


الإشارة إلى إبراهيم عليه السلام لا تأتي لمجرد الزخرفة الدينية؛ وإنما لتغيير مفهوم النار من قوة مدمرة إلى قوة يمكن أن تصبح بردًا وسلامًا.


وهنا تكمن المفارقة المركزية للنص:


ليست كل نار تحرق.

بعض النيران تنقذ.

وبعض النيران تعيد الإنسان إلى نفسه.


ثم نصل إلى أكثر المقاطع إثارة للتأويل:


«واخلعْ عنك رداءَ الشيب

فلا يحقُ لك تقييدي»


الشيب هنا ليس بالضرورة شعرًا أبيض؛ إنه يمكن أن يكون عمرًا نفسيًا، أو خوفًا، أو استسلامًا، أو مجموعة من القيود التي يصنعها الإنسان حول نفسه.


وكأن صوت النار يقول للإنسان:

لا تجعل العمر قيدًا على روحك.


ثم يحدث تحول لافت في الصوت:


«أنا النارُ وسأظلُ

أوقظُ رمادَك المشتعل»






إرسال تعليق

0 تعليقات