الكتابة و الوجع بقلم منى بغدادي مصر

 

الكتابة و الوجع




بقلم  منى بغدادي  مصر


ليس غريباً أن تجد أكثر الناس قدرة على التعبير هم أولئك الذين عجزوا يوماً عن التعبير عما بداخلهم وأن تكون بعض أكثر الأقلام إبداعاً هي تلك التي مرت على مساحات لم تكن سهلة من الحياة .


ثمة علاقة خفية بين الكتابة والوجع ، علاقة لا تقوم بالضرورة على الحزن وإنما على ذلك الإضطراب الداخلي الذي يتركه الألم في النفس ، فيجعل الإنسان أكثر إحتياجاً لأن يقول شيئاً ، حتى وإن لم يجد من يسمعه .


فحين تضيق المساحة داخلنا بما نحمله ، نبحث عن مساحة أخرى تتسع له . وقد لا نجدها في حديث عابر ولا في شكوى نرويها لأحد ، فنلجأ إلى الورقة ، أو إلى شاشة نكتب عليها وكأننا نفتح نافذة صغيرة في جدار ظل مغلقاً طويلاً .




هناك من يتحدث عن ألمه ، وهناك من يكتبه . والفرق ليس في حجم الوجع ، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ما يشعر به . فبعض المشاعر يصعب قولها مباشرة ، وبعض الحكايات تفقد معناها حين نحاول شرحها ، لكنها تجد طريقها إلى الكلمات حين نترك للقلم حرية التعبير .


والأكثر إثارة أن الكتابة لا تكتفي أحياناً بتفريغ ما بداخلنا ، بل تكشف لنا ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا . فقد يبدأ الإنسان كتابة نص هرباً من فكرة تؤرقه ، ثم يكتشف أنه كان يكتب عن شيء أعمق بكثير مما ظن . كأن الكلمات تقوده إلى أماكن في داخله لم يكن مستعداً لزيارتها .


وربما يفسر ذلك قدرة بعض الكتّاب على رؤية ما وراء التفاصيل . فالموقف العادي قد يمر أمام الآخرين دون أن يترك أثراً ، بينما يتوقف عنده الكاتب طويلاً ، لا لأنه أكثر حزناً بالضرورة ، بل لأنه أصبح أكثر إنتياهاً لما تخفيه الأشياء من معانٍ . نظرة عابرة قد تفتح باب حكاية وصمت شخص قد يتحول إلى نص كامل وتفصيلة صغيرة قد تستدعي شعوراً بحجم عمر .


فالوجع حين يمر بالنفس لا يتركها دائماً كما كانت . قد يمنحها حساسية تجاه مشاعر الآخرين ، وقد يجعلها أكثر قدرة على قراءة ما لا يُقال ، و إلتقاط المعاني التي تختبئ خلف التصرفات والكلمات . ومن هنا قد تولد كتابة تلامس الآخرين ، لأنها لا تخاطب عقولهم وحدها ، بل تصل إلى مناطق مشتركة في تجاربهم الإنسانية .


لكن ثمة مفارقة تستحق التأمل ، فالناس قد يصفقون لنص شديد الجمال ، دون أن يعرفوا أن صاحبه ربما كتبه في ليلة لم يكن فيها بخير . قد يعجبهم التعبير عن الخذلان ، دون أن يدركوا أن كاتبه عرفه ، أو يتأثرون بوصف الفقد دون أن يعلموا كم مرة حاول صاحبه التصالح معه .


إن القارئ يرى النص مكتملاً ، لكنه لا يرى الطريق الذي قطعه صاحبه حتى يصل إليه . لا يرى الحيرة التي سبقت الجملة ، ولا المحاولات التي حُذفت ، ولا الصراع بين الرغبة في البوح والخوف من أن يُفهم البوح على غير حقيقته .


وليس كل كاتب موجوعاً ، ولا الألم شرطاً للإبداع ، فالموهبة لها منابع كثيرة ، لكن بعض التجارب تمنح صاحبها مادة إنسانية لا تُشترى ولا تُكتسب من الكتب وحدها . والمهم ليس أن يتألم الإنسان ، بل ما الذي يستطيع أن يفعله بما تركه الألم داخله .


فالبعض يخرج من التجربة مثقلاً بها ، والبعض الآخر يحاول أن يعيد ترتيبها بالكلمات ، لا ليجمّل ما حدث ، ولا لينكر قسوته ، وإنما ليمنحه معنى يستطيع التعايش معه .


وربما هنا تكمن إحدى أجمل وظائف الكتابة ، أنها تمنح الإنسان فرصة لأن ينظر إلى ألمه من مسافة ، بعدما كان يعيش في قلبه . أن يحوّل الشعور الغامض إلى كلمات واضحة والفوضى إلى حكاية وما كان يستنزفه في صمت إلى شيء يستطيع أن يضعه أمامه ويتأمله .


ومع الوقت ، قد لا يعود النص مجرد تسجيل للحظة وجع ، بل يصبح شاهداً على عبورها . يعود إليه صاحبه بعد سنوات ، فيقرأه بعين مختلفة ، وربما يتعجب من أن الكلمات التي كتبها يوماً وهو يحاول النجاة ، أصبحت جزءاً من رحلته وفهمه لنفسه .


لهذا لا أظن أن كل من يكتب كثيراً لديه ما يقوله للناس بالضرورة ، ربما لديه ما يحتاج أن يقوله لنفسه أولاً . وربما كانت الكتابة بالنسبة لبعض الأرواح ليست ترفاً ولا مجرد هواية ، بل وسيلة لإستعادة التوازن حين تختل الأشياء في الداخل .


فالكتابة لا تمنع الوجع من الحدوث ولا تعيد ما فقدناه ولا تمحو آثار التجارب ، لكنها قد تفعل شيئاً آخر . أن تحول ما كان يثقل الروح إلى أثر يحمل معنى وما كان يبدو نهاية إلى بداية مختلفة .


فبعض النصوص لا تولد من فائض الكلمات ، بل من عجز القلب عن إحتمال المزيد من الصمت .


وربما لهذا ، حين نقرأ نصاً صادقاً نشعر أنه يشبهنا ، لا نكون قد إلتقينا بكاتبه ، لكننا إلتقينا بجزء من أنفسنا كان ينتظر من يمنحه الكلمات .





إرسال تعليق

0 تعليقات