معز ماني قابيل وهابيل حين يعاد تمثيل الجريمة كلّ صباح تونس 🇹🇳

 

قابيل وهابيل  حين يعاد تمثيل الجريمة كلّ صباح 




بقلم  معز ماني  تونس  🇹🇳

منذ اللحظة الأولى التي رفع فيها الحجر على أخ أعزل، لم تكن الحكاية مجرد حادثة عائلية معزولة، بل إعلانا مبكّرا عن ميلاد نموذج تفسيريّ للعالم.

صراع لا ينتهي بين الخير والشر، يتبدّل فيه الفاعلون، وتبقى البنية كما هي. إنّ قصة قابيل وهابيل، في بعدها الرمزي، ليست سرديّة دينيّة فحسب، بل إطار أنثروبولوجيّ لفهم العنف الإنساني، حيث يتعايش الضمير مع قابليته للانحراف، ويجاور الوعي نزوعه الدائم إلى التبرير .

1.  من الجريمة الأولى إلى النظام العالمي :

تقدّم الجريمة الأولى غالبا بوصفها انحرافا فرديّا، لكنّ التاريخ يثبت أنها كانت "بذرةَ نمط". فالعنف لم يعد استثناء، بل صار قابلا للتنظيم، للتقنين، بل وللتسويق. من القتل البدائي إلى الحروب الحديثة، ظلّ قابيل حاضرا، لكنّه تعلّم شيئا بالغ الأهمية، كيف يخفي الحجر داخل خطاب .

اليوم، لا ترتكب الجرائم بالضرورة في العراء، بل داخل مفاهيم مصقولة، "المصلحة"، "الأمن"، "الضرورة". وهكذا، يتحوّل الفعل الأخلاقي إلى مسألة تأويل، لا إلى حكم قيميّ واضح. إنّنا لا نشهد اختفاء الشر، بل إعادة صياغته في قوالب مقبولة اجتماعيا.

2. الشيطان بوصفه فكرة لا كائنا :

في الوعي التقليدي، يصوّر الشيطان كفاعل خارجيّ يغوي الإنسان، غير أنّ القراءة الفلسفية الحديثة تقترح تحوّلا نوعيّا، الشيطان لم يعد خارج الذات، بل أصبح أحد احتمالاتها. إنّه القدرة المستمرة على تبرير الخطأ، على تأجيل الاعتراف، وعلى تحويل الجريمة إلى "خيار عقلاني" .

بهذا المعنى، لا يعود السؤال: "هل الشيطان حيّ؟" بل: " كم حيّا هو داخلنا ؟". فكلّما ازداد الإنسان قدرة على تبرير أفعاله، ازداد الشيطان رسوخا، لا بوصفه كائنا، بل كآلية تفكير.

3. هابيل الحديث : ضحية بلا سردية :

إذا كان قابيل قد طوّر أدواته، فإنّ هابيل لم يطوّر سوى صمته، في العالم المعاصر، لا يكفي أن تكون ضحيّة لتسمع ،بل ينبغي أن تمتلك رواية قابلة للتداول. وهنا يكمن الخلل البنيوي، الضحية التي لا تتقن الخطاب، تقصى من الذاكرة.

إنّ المأساة لا تكمن فقط في استمرار العنف، بل في تحوّل الاعتراف به إلى مسألة تفاوض. فليس كلّ دم يرى، وليس كلّ ألم يعترف به، وهكذا، يصبح هابيل ضحيّة مزدوجة، ضحية الفعل، وضحية التجاهل .

4. سوسيولوجيا التبرير : حين يصبح الشرّ مقبولا :

يتميّز الإنسان بقدرته على إنتاج المعنى، غير أنّ هذه القدرة تتحوّل أحيانا إلى أداة خطرة، تبرير ما لا يبرّر. فالمجتمعات لا تكتفي بارتكاب العنف، بل تنشئ حوله منظومات تفسيرية تخفّف وطأته الأخلاقية .

في هذا السياق، يمكن الحديث عن "سوسيولوجيا التبرير"، حيث يعاد تعريف الأفعال وفقا لموقع الفاعل لا لطبيعة الفعل. ما يدان حين يصدر عن "الآخر"، يفهم،وربما يحتفى به،حين يصدر عن "نحن". وهكذا، لا يعود الشرّ شرّا مطلقا، بل موقفا نسبيا .

استحالة السلام : فرضية أم نتيجة ؟

تطرح فكرة السلام غالبا كأفقٍ ممكن، غير أنّ تحليل البنية العميقة للصراع يظهر أنّ العائق ليس في غياب الإرادة، بل في طبيعة الإنسان ذاتها. فطالما ظلّ قابيل قادرا على تبرير فعله، وطالما ظلّ الشيطان،كآلية تفكيرفاعلا، فإنّ السلام لن يكون سوى هدنة مؤقتة .

إنّ السلام الحقيقي يفترض شرطا شبه مستحيل، اعترافا صريحا بلا تبرير، ومساءلة بلا انتقائية . لكنّ التجربة التاريخية تشير إلى أنّ الإنسان يفضّل التكيّف مع الخلل بدلا من مواجهته .

6. ما بعد الأخلاق: سؤال معلّق :

ليست المشكلة في وجود الشر، بل في قدرته على إعادة تعريف نفسه. فحين يصبح القاتل مفسّرا، والضحية موضوعا للنقاش، نكون قد تجاوزنا الصراع الأخلاقي إلى أزمة أعمق؛ أزمة المعايير نفسها .

إنّ قابيل وهابيل ليسا شخصيتين من الماضي، بل بنيتين مستمرّتين في الحاضر. وبينهما، يقف الإنسان المعاصر، لا حائرا بين الخير والشر، بل بارعا في إعادة تسميتهما،وربّما لن ينتهي الصراع،ليس لأنّ السلام مستحيل،بل لأنّنابمهارة لافتة،أصبحنا قادرين على العيش،مع ما كان ينبغي أن يقلقنا،وربّما كذلك ،حين يصبح الشرّ مقنعا بما يكفي،لا يعود السلام مستحيلا فحسب،بل غير ملح ّ .






إرسال تعليق

0 تعليقات