د عيد النوقي يكتب قلوب على مائدة القرآن في رمضان ١٥

 

السلسلة الرمضانية: قلوب على مائدة القرآن في رمضان 

الحلقة "15"الصدقة الخفية… تجارة مع الله لا تخسر".



بقلم /الباحث ،الأديب ،والمفكر الدكتور عيد كأمل حافظ النوقي.


أولاً: مدخل قرآني :حين يربيك القرآن على الإخلاص:


في زمنٍ تُقاس فيه الأعمال بعدد المتابعين، وتُوزن فيه المبادرات بوهج الأضواء، يأتي القرآن ليعيد ترتيب النية في قلب المؤمن، ويغرس فيه معنى العبودية الخالصة.


قال تعالى:


﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾


(البقرة: 271)


يقول ابن كثير في تفسير  القرءان العظيم :


“إخفاء الصدقة أفضل؛ لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص.”،(ابن كثير :1999م، ص701)،


ويقول القرطبي في الجامع لأحكام القرءان: 


“في الآية دليل على أن السر في الصدقة أفضل من العلانية إلا لمصلحة.”


(القرطبي :1964م،ص329).


إنها تربية ربانية عميقة: أن تعمل لله، لا لعيون الناس.


ثانيًا: الصدقة الخفية في ميزان السنة


قال رسول الله ﷺ::


«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»


( رواه صحيح البخاري (1423)، وصحيح مسلم (1031).


يعلق النووي في شرح صحيح مسلم:


“المقصود المبالغة في الإخفاء، حتى كأن الشمال لا تعلم ما فعلت اليمين.”،


(الامام النووي :ص120).


أي مقامٍ هذا؟


أن يكون عطاؤك سببًا في أن يظلك الله تحت عرشه يوم القيامة!


ثالثًا: لماذا كانت خفية؟:


1️⃣ لأنها تحمي القلب من الرياء


قال تعالى:


﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ (النساء: 38)


الصدقة العلنية قد تختلط بنزعات النفس، أما الخفية فهي اختبار صدق العبودية.


2️⃣ لأنها أصدق في التوكل:


تعطي… ولا تنتظر شكراً.


تنفق… ولا تنتظر صورة.


تكتفي بنظر الله إليك.


3️⃣ لأنها دواء للأوجاع:


قال ﷺ:


«داووا مرضاكم بالصدقة»


 رواه الطبراني، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3358).


رابعًا: نماذج مضيئة من السلف:


 كان علي بن الحسين زين العابدين يحمل الطعام ليلاً إلى بيوت الفقراء، فلما مات عُرف أثر الحبال في ظهره.


 وكان عبد الله بن المبارك يضع المال في جيوب المحتاجين سرًا.


ويقول الحسن البصري:


“كانوا يرون أن من أفضل العمل إخفاء الصدقة.”،


( الزهد للإمام أحمد، ص215).


هكذا كانوا يتاجرون مع الله… في الظلام.


خامسًا: قصة : حين كان الليل شاهدًا:


ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة ( ص128) ،أن بعض الصالحين كان يخرج ليلاً فيضع الطعام عند أبواب الفقراء دون أن يعرفوه، وكانوا لا يعلمون من أين يأتيهم رزقهم، فلما مات انقطع عنهم العطاء، فعلموا أنه هو صاحب الصدقة.


وفي ترجمة علي بن الحسين زين العابدين عند الذهبي في سير أعلام النبلاء: ( 1975م،ص389):


“كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة، لا يعرفونه حتى مات.”


أي سر أعظم من هذا؟


عطاءٌ لا يُكشف إلا بعد الرحيل!


سادسًا: الصدقة الخفية… تجارة لا تبور


قال تعالى:


﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (البقرة: 245)


وقال:


﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ… وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (فاطر: 29).


“الإنفاق في سبيل الله تحرر من عبودية المال، وارتقاء بالنفس إلى أفق العبودية 


وفي رمضان تتضاعف الأرباح.


قال ﷺ:


«أفضل الصدقة صدقة في رمضان»


( رواه سنن الترمذي (663) وقال حسن).


سابعًا: أثرها في حياتنا اليومية:


 تطفئ غضب الرب


 تجلب البركة في الرزق


 تربي الأبناء على الإخلاص


 تبني مجتمعًا متماسكًا بعيدًا عن الضجيج الإعلامي


قال ﷺ:


«اتقوا النار ولو بشق تمرة»


(رواه صحيح البخاري (1417).


ليس المطلوب كثرة المال…


بل صدق القلب.


ثامنًا: أبيات شعرية:


يا من تخبئ في الظلام عطيةً


وترى الإلهَ بها عليك شهيدا


أخفيتَها خوف الرياءِ نقيةً


فجعلتَها عند الإله خلودا


أعطيتَ سرًّا لا تريد مديحَهم


لكن أردتَ من الكريم مزيدا


فالسرُّ في درب العطاء كرامةٌ


يبني القلوب ويصنع التجديدا


تاسعًا: الواجب العملي :


 خصص صدقة خفية لا يعلم بها أحد.


 علّم أبناءك معنى “العطاء الصامت”.


 ادعُ لمن تعطيه قبل أن تدعو لنفسك.


 اجعل لك صندوقًا سريًا للصدقات في بيتك.


عاشرًا: وصية :


اجعل لك عملاً لا يعلمه إلا الله.


سرٌّ بينك وبينه…


فهو زادك يوم تفتقر إلى عملٍ خالصٍ لا يراه أحد سواه.


الخاتمة :


أيها القلب الصائم…


ليست العبرة أن يراك الناس وأنت تعطي،


بل أن يراك الله وأنت تُخفي.


إذا أغلقت الأبواب، وأظلمت الطرقات، ومددت يدك بعطاء خفي…


فاعلم أن السماء تكتب اسمك في سجل التجار مع الله.


﴿لَن تَبُورَ﴾


تجارة لا تخسر…


وأرباحها يوم العرض الأكبر.


اللهم فرجا لأهلنا في غزة والسودان وسائر بلاد المسلمين اللهم امين يارب العالمين. 


 المراجع:


١)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة، ط2، 1999م.


٢)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، 1964م.


٣)النووي، شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.


الذهبي، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، 1985م.


٤)ابن الجوزي، صفة الصفوة، دار الكتب العلمية.


٥)صحيح البخاري.


٦)صحيح مسلم.


٧)سنن الترمذي.

إرسال تعليق

0 تعليقات