الجلسة الأخيرة يوم وُلِدتُ حقّاً بقلمي منى بغدادي

 

الجلسة الأخيرة يوم وُلِدتُ حقّاً




بقلمي منى بغدادي


وفي ذلك اليوم … لم أولد لأنني جئت إلى الدنيا …


بل لأنني جئت إلى نفسي .


لم يكن هناك صراخُ طفل ولا يدٌ تحملني ولا أحدٌ يصفّق لبداية جديدة .


كان هناك فقط … قلبٌ تعب طويلاً ، وقرر أخيراً أن يعود إلى صاحبه .


في ذلك اليوم نظرتُ إلى نفسي دون خوف ودون عتاب ودون رغبة في أن أكون شخصاً آخر .


رأيتُ كل النسخ التي عشتها قبلي …


المرأة التي صمتت كي لا تخسر ، والتي أعطت أكثر مما تستطيعً، والتي سامحت أكثر مما تحتمل ، والتي أخّرت نفسها حتى كادت تنساها .


لم أكره أياً منهن . احتضنتهن جميعاً … وقلت لهن : «كنتُنَّ تحاولن النجاة … وأنا الآن أعرف الطريق.»


ثم تركتُ الماضي خلفي …


لا لأنني نسيت … بل لأنني لم أعد أحتاج أن أعيش فيه كي أتذكر من أنا .


ولأول مرة ، شعرت أنني لا أبدأ حياةً جديدة … بل أبدأ نفسي الجديدة .


 


تعلمت أنني لستُ ما حدث لي ولا ما قيل عني ، ولا ما فقدته ولا حتى أخطائي التي ظننت يوماً أنها ستظل تلاحقني .


أنا كل ما اخترت أن أصبحه بعد ذلك . وفي تلك اللحظة ، لم أعد أنتظر أحداً لينقذني ، ولا كلمةً لتطمئنني ولا يداً لتدلني على الطريق . كنتُ أنا الطريق .


ومنذ ذلك اليوم … لم أعد أعيش لأثبت أنني أستحق الحب ولا لأكسب رضا الجميع ولا لأبدو قوية طوال الوقت .


صرتُ أعيش … لأنني أحب الحياة وأحب نفسي وأعرف أن وجودي فيها ليس صدفة .


واليوم ، حين ألتفت إلى الوراء لا أرى امرأةً ضاعت … بل أرى امرأةً كانت تبحث عن نفسها في كل مكان ، حتى اكتشفت أن المكان الذي كانت تبحث فيه طوال عمرها … كان بداخلها .


وهكذا … في يومٍ لم يعرفه أحد ولم يُكتب في شهادة ميلادي  ، وُلدتُ حقّاً  .


وُلدت حين اخترت نفسي وحين سامحتها وحين عرفت قيمتها وحين تصالحت معها وحين صار السلام عنوانها .


وفي ذلك اليوم … لم أولد من جديد فقط  … بل وُلدتُ أخيراً كما كان يجب أن أكون .


#الخاتمة :


ربما كانت هذه الصفحات قد بدأت بقلم يبحث عن ملجأ … وانتهت بقلبٍ وجد نفسه.


في البداية ، كنت أكتب لأنني أتألم . ثم صرت أكتب لأفهم لماذا أتألم . وبعدها … بدأت أكتب لأتعلم كيف أعيش رغم الألم .


اكتشفت أن الكتابة لم تكن هروباً من نفسي كما ظننت في البداية … كانت عودةً إليها .


كل كلمةٍ كتبتها كانت تزيح حجراً عن طريقٍ طويلٍ إلى داخلي . كل اعترافٍ منحته للورق كان شيئاً أخيراً أتوقف عن إنكاره لنفسي . وكل دمعةٍ سقطت بين السطور كانت تقول لي إن ما أشعر به لا يحتاج إلى خجل … بل إلى فهم .


كتبت عن الخوف … فاكتشفت شجاعتي .


كتبت عن انكساري … فاكتشفت أنني لم أكن مكسورة كما ظننت .


كتبت عن غضبي من نفسي … حتى تعلمت أن أكون رحيمةً بها .


وكتبت عن كل مرةٍ ضعت فيها … حتى عرفت أن بعض الضياع ليس إلا طريقاً طويلاً إلى الذات .


لم يكن القلم طبيباً بالمعنى الذي يشفي الجرح في لحظة ، لكنه كان شاهداً عليه.


والشاهد الصادق قد لا يغيّر ما حدث … لكنه يمنعنا من إنكار ما حدث .


لهذا لم تمحُ الكتابة ندباتي … بل جعلتني أتوقف عن النظر إليها باعتبارها دليلاً على ضعفي .


صرت أراها دليلاً على أنني عشت . وأنني تألمت . وأنني نجوت . وأنني ، رغم كل ما حدث ، ما زلت هنا .


وربما هذا هو الشفاء الحقيقي …


ألا تعود الشخص الذي كنت عليه قبل الألم ، بل أن تصبح شخصاً يعرف كيف يحمل ما حدث له … دون أن يسمح له بأن يحمله .


لهذا … إذا وجد أحدكم نفسه في سطرٍ من هذه الصفحات ، أو شعر أنني كتبت شيئاً كان يعجز عن قوله ، أو توقّف أمام كلمةٍ لأنه وجد فيها جزءاً منه …


فلا أريد منه أن يقول : «منى كتبت عني»


بل أريده أن يسأل نفسه :


«ماذا أحاول أنا أن أقوله لنفسي؟»


فربما يكون بيننا جميعاً ذلك الجزء الصغير الذي ظل طويلاً ينتظر أن يسمعه أحد …


وربما تكون الورقة هي المكان الوحيد الذي نستطيع فيه أن نقول الحقيقة كاملة ، دون خوفٍ من حكم ، ودون حاجةٍ إلى تبرير ، ودون أن نرتدي وجهاً لا يشبهنا .


وهنا …


أضع قلمي جانباً .


ليس لأن الحكاية انتهت …


بل لأنني لم أعد بحاجة إلى الكتابة كي أبحث عن نفسي .


لقد وجدتها .


وجدتها في كل مرةٍ سامحتها فيها ، وفي كل مرةٍ اخترتها وفي كل مرةٍ قلت لها : «لا بأس أن تتعبي» وفي كل مرةٍ رفضت أن أتركها وحيدةً في مواجهة الحياة .


ولهذا … إذا سألتني اليوم : هل كان قلمكِ طبيبكِ حقاً ؟


سأقول : لم يكن القلم هو الطبيب … كنتُ أنا .


لكنني احتجتُ إلى قلمٍ كي أسمع صوتي ، وإلى ورقةٍ كي أصدق اعترافي ، وإلى كل تلك الصفحات … كي أكتشف أنني كنت أملك منذ البداية شيئاً أهم من القدرة على الشفاء … كنت أملك القدرة على أن أبدأ .


وهذه السلسلة لم تكن حكاية امرأةٍ تخلّصت من ألمها …


بل حكاية امرأةٍ تعلّمت أخيراً ألا تجعل ألمها تعريفاً لها .


امرأةٌ لم تعد تنتظر أن تنجو من الحياة … بل قررت أن تعيشها .


وهكذا … أغلق قلمي آخر صفحاته .


لكن هذه المرة … لم أسمع صوتاً في داخلي يقول : «انتهى الحديث»


سمعت صوتاً أكثر هدوءاً … يقول :


«لم ينتهِ الحديث … لقد بدأتِ أخيراً تسمعينه.»








إرسال تعليق

0 تعليقات